د علي الطراونة يكتب: الأحزاب والكتل النيابية في الأردن… اختبار الجدية أم عودة إلى الكتل الهلامية؟
نبأ الأردن -
لم تكن انتخابات رئاسة مجلس النواب وموقع النائب الأول للرئيس، التي جرت يوم الاثنين، مجرد استحقاق برلماني اعتيادي لتوزيع المواقع داخل المكتب الدائم، بل حملت في نتائجها رسائل سياسية تستحق التوقف والتحليل، خصوصاً في ظل المرحلة التي تمر بها الحياة الحزبية الأردنية، وما يرافقها من رهانات على تطوير العمل الحزبي والانتقال به من الإطار النظري والتنظيمي إلى الممارسة السياسية والبرلمانية الفاعلة.
فقد سبقت الانتخابات تفاهمات بين أربع كتل نيابية، هي كتل الميثاق ومبادرة وعزم والأحزاب الوسطية والإصلاح، ضمت وفق ما أعلن نحو مئة نائب، وقيل إن هذا التفاهم يشكل إطاراً مشتركاً لتوزيع مواقع المكتب الدائم، بحيث تؤول رئاسة المجلس إلى كتلة الميثاق، وموقع النائب الأول إلى كتلة مبادرة، وموقع النائب الثاني إلى كتلة عزم، فيما يخصص موقعا مساعدي الرئيس لكتلتي الأحزاب الوسطية والإصلاح.
وكان من المفترض أن يشكل هذا التفاهم مؤشراً على تطور في طبيعة العلاقات بين الكتل النيابية، وأن يعكس قدرة الأحزاب على إدارة اختلافاتها من خلال الحوار والتفاوض والوصول إلى صيغ مشتركة، بما يعزز مفهوم العمل الجماعي والمؤسسي داخل مجلس النواب.
إلا أن نتائج الاقتراع طرحت تساؤلات جدية حول مدى تماسك هذه التفاهمات، ومدى قدرة القيادات الحزبية والكتل النيابية على تحويل الاتفاق السياسي إلى موقف برلماني متماسك.
ففي الوقت الذي تمكن فيه مرشح كتلة الميثاق إبراهيم الطراونة من الفوز برئاسة المجلس، جاءت نتيجة انتخاب النائب الأول بصورة مختلفة عما تضمنته التفاهمات المعلنة، حيث فاز النائب آية الله الفريحات بـ88 صوتاً، مقابل 46 صوتاً للنائب أحمد الهميسات، مرشح كتلة مبادرة.
وهنا تبرز المسألة السياسية الأهم: ماذا تعني هذه النتيجة؟ وهل نحن أمام اختلاف طبيعي في التقديرات والمواقف النيابية، أم أمام إخفاق في إدارة التفاهمات والالتزام بما جرى الاتفاق عليه بين الكتل؟
أولاً: بين مشروعية الاختلاف وجدية الالتزام
من المهم التأكيد أن الانتخابات البرلمانية تقوم على حرية النائب في الاختيار، وأن صندوق الاقتراع هو الفيصل الدستوري في تحديد الفائز، ولا يجوز النظر إلى التفاهمات السياسية باعتبارها بديلاً عن الإرادة الحرة للنواب أو قيداً على حقهم في التصويت.
لكن في المقابل، فإن العمل الحزبي والكتلوي يقوم أساساً على الالتزام السياسي والأدبي والتنظيمي، وعلى احترام التفاهمات التي تنشأ بين الأطراف بعد الحوار والتفاوض.
فإذا كانت الكتل قد توصلت إلى اتفاق واضح ومعلن بشأن توزيع المواقع، فإن السؤال لا يتعلق بحق النائب في الاختيار، وإنما بمدى جدية الأطراف التي دخلت في الاتفاق، وبقدرتها على إقناع أعضائها بمضمونه، وتوحيد مواقفها وفق أسس سياسية وبرامجية واضحة.
ولا يمكن الجزم، في ظل سرية الاقتراع، بأن جميع الأصوات التي ذهبت إلى المرشح الفائز جاءت من داخل الكتل الموقعة على الاتفاق، أو أن أعضاء كتلة بعينها أخلّوا بالتزامهم. لكن الفارق الكبير في نتيجة الانتخابات يكشف، على الأقل، أن التفاهم المعلن لم يكن كافياً لضمان النتيجة التي قامت عليه الترتيبات السياسية.
وهذا بحد ذاته مؤشر يستحق المراجعة.
ثانياً: هل ما زالت الكتل النيابية هياكل انتخابية مؤقتة؟
إن أحد أهم أهداف التحديث السياسي في الأردن هو بناء حياة حزبية حقيقية، تقوم على البرامج والرؤى والمواقف السياسية، وتنتقل بالعمل النيابي من الفردية إلى العمل الجماعي المنظم.
ومن المفترض أن تكون الكتل النيابية امتداداً طبيعياً لهذا المسار، بحيث لا تقتصر وظيفتها على تشكيل تجمعات مؤقتة عند انتخاب رئيس المجلس أو توزيع مواقع المكتب الدائم أو تشكيل اللجان النيابية، وإنما تتحول إلى أطر سياسية وبرلمانية قادرة على إنتاج المواقف، وممارسة الرقابة، وتقديم المبادرات التشريعية، ومساءلة الحكومة وفق برامج واضحة.
لكن ما حدث يثير تساؤلاً مشروعاً حول طبيعة هذه الكتل: هل هي كتل سياسية تمتلك قواعد تنظيمية وآليات لاتخاذ القرار، أم أنها تجمعات نيابية تتفق عند توزيع المواقع، ثم تتباين مواقفها عندما تصل الأمور إلى صندوق الاقتراع؟
إن خطورة هذا الأمر تكمن في أن استمرار هذه الممارسة قد يعيد إنتاج الصورة التقليدية للكتل البرلمانية التي كانت تتشكل لأغراض إجرائية أو انتخابية، ثم تفقد تماسكها بمجرد انتهاء الاستحقاق الذي اجتمعت من أجله.
وهذا لا يخدم الأحزاب، ولا يعزز ثقة المواطنين بها، ولا ينسجم مع التطلعات التي قامت عليها منظومة التحديث السياسي.
ثالثاً: لماذا تعثرت التفاهمات؟
من الصعب اختزال ما جرى في سبب واحد، لكن يمكن قراءة المشهد من خلال مجموعة من العوامل السياسية والتنظيمية.
أول هذه العوامل أن التفاهمات ربما كانت أقرب إلى اتفاق بين قيادات الكتل والأحزاب منها إلى توافق مؤسسي مكتمل داخل الكتل نفسها. فالاتفاق الذي لا يستند إلى حوار داخلي ومشاركة فعلية للأعضاء، قد يواجه صعوبة عند الانتقال من طاولة التفاوض إلى قاعة التصويت.
وثانيها أن بعض التفاهمات ربما ركزت على توزيع المواقع أكثر من تركيزها على طبيعة المشروع السياسي والبرلماني الذي يجمع الأطراف. فالتحالفات التي تقوم على تقاسم المواقع وحده تكون عادة أكثر عرضة للاهتزاز من التحالفات التي تقوم على برنامج عمل مشترك وأولويات تشريعية ورقابية متفق عليها.
وثالثها أن التباينات داخل الكتل والأحزاب قد تكون أكبر مما تعكسه البيانات السياسية المعلنة. فالانتماء إلى كتلة واحدة لا يعني بالضرورة تطابق وجهات النظر بشأن جميع المرشحين أو الاستحقاقات، خصوصاً عندما لا تكون هناك آليات داخلية واضحة لحسم الخلافات.
ورابعها أن التفاهمات لم تتضمن، بحسب ما أعلن، آليات مؤسسية محددة لمتابعة تنفيذها أو معالجة الخلافات التي قد تنشأ حولها، وهو ما يجعل الاتفاق السياسي عرضة لاختلاف التفسيرات والاجتهادات.
كما لا يمكن إغفال أن التنافس على المواقع البرلمانية قد يحمل اعتبارات تتعلق بالثقل السياسي والخبرة والعلاقات النيابية، وهي اعتبارات ينبغي إدارتها ضمن أطر واضحة، لا أن تتحول إلى أسباب لإضعاف العمل الجماعي.
رابعاً: هل تأثرت التجربة الحزبية الأردنية؟
أعتقد أن ما حدث لا ينبغي أن يكون مدخلاً للتشكيك في التجربة الحزبية الأردنية برمتها، أو للحكم عليها بالفشل، فالتجارب الحزبية لا تُقاس بانتخابات واحدة، ولا بمدى نجاح التفاهمات في إيصال مرشح إلى موقع معين.
لكن من الإنصاف القول إن ما جرى يمثل اختباراً مبكراً ومهماً لمدى نضج الممارسة الحزبية داخل مجلس النواب.
فالأحزاب لا تكتسب قوتها بمجرد حصولها على مقاعد نيابية، ولا بمجرد تشكيل كتل تحمل أسماء حزبية، وإنما بقدرتها على إدارة الاختلاف داخلها، والالتزام بقراراتها المؤسسية، وتقديم خطاب سياسي موحد في القضايا التي تتفق عليها.
كما أن قوة الحزب لا تعني إلغاء استقلالية النائب، وإنما تعني بناء علاقة متوازنة بين حرية الاجتهاد الفردي والمسؤولية الجماعية التي تترتب على العضوية الحزبية والكتلوية.
ومن هنا، فإن الاختبار الحقيقي ليس في قدرة الأحزاب على الاتفاق على توزيع المواقع، بل في قدرتها على الاتفاق على القوانين والسياسات والمواقف المتعلقة بقضايا المواطنين.
خامساً: المطلوب الانتقال من تفاهمات المواقع إلى تفاهمات البرامج
إن معالجة ما كشفته هذه الانتخابات لا تكون بتبادل الاتهامات، ولا بمحاولة تحميل طرف بعينه مسؤولية ما جرى، وإنما بمراجعة جادة لآليات العمل الحزبي والكتلوي داخل مجلس النواب.
وأرى أن المرحلة المقبلة تتطلب جملة من الخطوات العملية:
1. تعزيز العمل المؤسسي داخل الكتل: من خلال وضع أنظمة داخلية واضحة تحدد آليات التشاور واتخاذ القرار، وكيفية التعامل مع الاستحقاقات البرلمانية، مع احترام النظام الداخلي لمجلس النواب وحرية الاقتراع.
2. توسيع المشاركة في صناعة التفاهمات: بحيث لا تقتصر المفاوضات على رؤساء الكتل والأمناء العامين، وإنما تشمل أعضاء الكتل بصورة حقيقية، لضمان أن تكون التفاهمات معبرة عن إرادة جماعية وليست مجرد تفاهمات قيادية.
3. إعداد برامج عمل مشتركة: فلا يكفي الاتفاق على توزيع مواقع المكتب الدائم، بل يجب أن تتفق الكتل على أولويات تشريعية ورقابية، وعلى آليات متابعة الأداء الحكومي، وعلى القضايا الاقتصادية والاجتماعية التي تهم المواطنين.
4. الفصل بين المواقع والكفاءة: بحيث لا يصبح توزيع المواقع غاية بحد ذاته، وإنما وسيلة لتحسين أداء المجلس، مع إعطاء الخبرة والكفاءة والتخصص والقدرة على الإنجاز الأولوية في اختيار المرشحين للمواقع النيابية واللجان الدائمة.
5. إدارة الاختلاف بشفافية ومسؤولية: فالاختلاف ليس عيباً في الحياة الحزبية، بل هو جزء من طبيعتها، لكن المشكلة تبدأ عندما لا تكون هناك آليات مؤسسية لإدارته، أو عندما تتحول التفاهمات إلى التزامات مؤقتة لا تصمد أمام أول اختبار انتخابي.
6. إعادة تقييم التحالفات النيابية: من خلال تحديد أهدافها ومددها وآليات عملها، بحيث تكون تحالفات قائمة على برامج ومواقف مشتركة، وليس مجرد تحالفات موسمية تتشكل عند كل استحقاق برلماني.
سادساً: انتخابات المكتب الدائم وما بعدها… الاختبار لم ينتهِ
إن ما جرى في انتخاب النائب الأول ينبغي أن يكون موضع مراجعة سياسية هادئة من جميع الأطراف، خصوصاً أن انتخابات المكتب الدائم لم تكن مجرد منافسة بين أشخاص، بل كانت اختباراً للتفاهمات التي أعلنتها الكتل الأربع.
كما أن استكمال انتخاب بقية مواقع المكتب الدائم وتشكيل اللجان النيابية الدائمة سيكشف بصورة أكبر طبيعة العلاقات بين الكتل، ومدى قدرتها على المحافظة على الحد الأدنى من التوافق والعمل المشترك.
فإذا استمرت التفاهمات في التراجع عند كل استحقاق، فإن ذلك سيعزز الانطباع بأن الكتل لا تزال تفتقر إلى البنية السياسية والتنظيمية اللازمة للعمل المؤسسي.
أما إذا جرى التعامل مع ما حدث باعتباره فرصة للمراجعة والتصويب، وتم بناء تفاهمات جديدة على أسس برامجية واضحة، فقد يتحول هذا الاختبار إلى محطة إيجابية في مسيرة تطوير الحياة الحزبية والبرلمانية.
وفي النهاية لا نريد أحزاباً تتفق على المواقع وتختلف عند المسؤوليات
إن الأردن لا يحتاج إلى كتل نيابية كبيرة بالأرقام فقط، ولا إلى بيانات تفاهم وتوافق تُعلن قبل الانتخابات ثم تصبح موضع تساؤل عند أول استحقاق، وإنما يحتاج إلى أحزاب وكتل تمتلك رؤية سياسية واضحة، وتعمل بروح الفريق، وتحترم التزاماتها، وتدرك أن وجودها داخل مجلس النواب مسؤولية وطنية قبل أن يكون فرصة للحصول على موقع أو منصب.
إن التحديث السياسي لا يتحقق بتغيير أسماء الكتل، ولا بمجرد زيادة عدد المنتسبين للأحزاب، وإنما يتحقق عندما تتغير ثقافة العمل السياسي، ويصبح الالتزام المؤسسي والبرامجي أساساً للعلاقة بين النائب وحزبه وكتلته.
وليس المطلوب أن تتطابق جميع الأصوات والمواقف في كل مناسبة، فذلك ليس من طبيعة الحياة الديمقراطية، وإنما المطلوب أن يكون الاختلاف واضحاً ومسؤولاً، وأن تكون الاتفاقات صادقة في أهدافها، وأن تكون هناك مصداقية في التعامل بين الشركاء السياسيين.
إن ما حدث في انتخابات النائب الأول يجب ألا يكون مناسبة لتصفية الحسابات أو توجيه الاتهامات، بل فرصة لطرح سؤال أكبر وأكثر أهمية: هل نحن بصدد بناء تجربة حزبية برلمانية جديدة تقوم على البرامج والمؤسسات، أم أننا نعيد إنتاج التجربة التقليدية نفسها بأسماء حزبية مختلفة؟
الإجابة عن هذا السؤال لن تقدمها البيانات ولا التصريحات، وإنما سيقدمها أداء الكتل والأحزاب خلال المرحلة المقبلة، ومدى قدرتها على تحويل التفاهمات إلى عمل تشريعي ورقابي جاد، يلمس المواطن أثره في حياته اليومية.
فالمعيار الحقيقي لنجاح الأحزاب ليس من يحصل على موقع النائب الأول أو الثاني، ولا من يسيطر على المكتب الدائم، وإنما من يستطيع أن يقدم نموذجاً في العمل السياسي المسؤول، ويثبت أن الحزب والكتلة أصبحا عنواناً للبرنامج والالتزام والإنجاز، لا مجرد وسيلة لتوزيع المواقع والمكاسب.

























