احمد الرفاعي يكتب: خطاب العرش السامي.. رسائل تتجاوز افتتاح الدورة البرلمانية إلى استحقاقات المرحلة المقبلة
نبأ الأردن -
تضمّن خطاب العرش السامي عدة عناوين وأولويات مُهمّة، والأهم منها تلك الرسائل التي تقف خلف هذه العناوين، فالخطاب الملكي ليس مجرد تحديد لاتجاهات المرحلة المقبلة، بل هو دعوة صريحة إلى إعادة النظر في مفهوم المسؤولية الوطنية، وفي الطريقة التي تدار بها شؤون الدولة وتُترجم بها التوجيهات إلى إنجاز.
ما لفت انتباهي في الخطاب هو الترابط الواضح بين مفهوم قوة الدولة ومفهوم خدمة المواطن. فالأردن الذي يواجه تحديات إقليمية وأمنية واقتصادية معقدة، لا يستمد قوته من مؤسساته الأمنية والعسكرية وحدها مع أهميتها ومكانتها، وإنما يستمدها أيضا من وحدة الصف والتخندق في خندق الوطن وثقة المواطن بمؤسساته، وشعوره بأن الدولة حاضرة وقادرة على كل شيء من اجل المواطن وحقوقه ومصالحه.وهذه من وجهة نظري من أهم دلالات خطبة العرش، فالحفاظ على الاستقرار لا ينفصل عن تحقيق التنمية، وتعزيز هيبة الدولة لا ينفصل عن سيادة القانون والعدالة، وبناء الثقة لا يتحقق بالخطاب وحده، بل بقدرة المؤسسات على الوفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين.
الرسالة الأكثر وضوحا هي أن مصلحة الأردني يجب أن تكون في صلب كل قرار، وهي عبارة تختصر نهج الحكم وديدن الحاكم، وفي نفس الوقت تضع معيارا مباشرا لتقييم أداء الحكومات. فالمواطن لا ينتظر المزيد من الخطط والاستراتيجيات بقدر ما ينتظر أن يرى أثرها في مستوى معيشته، وفي فرص العمل المتاحة أمام أبنائه، وفي جودة التعليم والخدمات الصحية، وفي قدرته على مواجهة الأعباء الاقتصادية.
بعد هذا الحديث العميق من لدن جلالة الملك اصبح من الضروري الانتقال من مرحلة إدارة الملفات إلى مرحلة حل المشكلات، ومن قياس الأداء بعدد القرارات والاجتماعات إلى قياسه بما يتحقق على أرض الواقع، ومعيار النجاح لأي حكومة لا ينبغي أن يقاس بقدرتها على تقديم التبريرات، وإنما بقدرتها على تحقيق النتائج وتحمل المسؤولية عند الإخفاق قبل الإنجاز.
وهناك رسالة قوية موجّهة إلى مجلس الأمة تحمل أهمية سياسية خاصة. فعندما يؤكد جلالة الملك أن الأردنيين لا ينظرون إلى ما يصدر عن القبة من قوانين فقط، بل إلى ما يصدر عنها من سلوك وخطاب (هذا خطاب عميق جدا) يعكس فهما أعمق لدور المؤسسة التشريعية في الحياة العامة.
فالبرلمان ليس مجرد مؤسسة لإقرار القوانين أو ميكرفون لتسجيل المواقف السياسية، بل هو أحد أعمدة الحياة الديمقراطية، وتتجلى أهميته من قدرته على تمثيل مصالح الناس والدفاع عنها، ومراقبة أداء السلطة التنفيذية، والمساهمة في تطوير السياسات العامة.
المطلوب من مجلس النواب أن يرتقي بمستوى أدائه إلى حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه، وأن يدرك أن ثقة الناس لا تبنى بالشعارات ولا بالمواقف الشعبوية، وإنما بالعمل الجاد والرقابة الفاعلة والتشريع الذي يستجيب لحاجات المجتمع، كما أن الاختلاف في الرأي، الذي وصفه جلالة الملك بأنه مصدر قوة ما دامت مصلحة الأردن هي الغاية، يمثل قاعدة أساسية في العمل السياسي، والاختلاف ليس أزمة، بل إن غياب الاختلاف والحوار قد يكون مدعاة للقلق والاختلاف المسؤول هو الذي ينتج أفكارا وحلولا وليس الذي يتحول إلى صراع على المواقع أو حسابات شخصية ومصالح ضيقة
أما في مسار التحديث السياسي، فإن خطاب العرش يضع الأحزاب السياسية أمام مسؤولية تتجاوز المشاركة الشكلية في الحياة العامة. فالمطلوب اليوم أحزاب تمتلك برامج واقعية، وتقدم بدائل للسياسات الحكومية، وتكون قادرة على مخاطبة المواطنين بلغة الحلول والإنجاز، لا الاكتفاء بالنقد أو انتظار الاستحقاقات الانتخابية لأن نجاح الحياة الحزبية لا يقاس بعدد الأحزاب أو أعضائها، وإنما بقدرتها على إنتاج قيادات مؤهلة، وتقديم رؤى وبرامج قابلة للتطبيق، والمساهمة في تشكيل وعي سياسي يقوم على الحوار والمشاركة وتحمل المسؤولية.
وعلى المستوى الاقتصادي، فإن الدعوة إلى تسريع إنجاز المشاريع الكبرى تعكس إدراكا لأهمية عامل الوقت في المرحلة الحالية. فالأردن لا تنقصه الرؤى والطموحات، ولكنه بحاجة إلى تسريع التنفيذ وإزالة المعيقات وتحويل الفرص الاستثمارية إلى مشاريع منتجة توفر فرص العمل وتعزز الاقتصاد الوطني.
نجاح التحديث الاقتصادي لا يتحقق فقط بجذب الاستثمارات أو الإعلان عن المشاريع، بل بمدى انعكاس ذلك على القطاعات الإنتاجية، وعلى مستوى التشغيل والدخل، وعلى قدرة الاقتصاد الأردني على بناء قاعدة إنتاجية أكثر تنوعا وتنافسية، ومن ابرز الملفات االتي تطرق لها جلالة الملك هو ملف المياه الذي يستحق أن ينظر إليه باعتباره قضية سيادة وطنية وأمن استراتيجي، لا مجرد تحد خدمي. فالأمن المائي يرتبط باستقرار المجتمع واستدامة التنمية، وهو ما يتطلب تخطيطا طويل الأمد وإدارة رشيدة للموارد ورشيقة للمشاريع الاستراتيجية.
ومن بين الرسائل التي أعتقد أنها تستحق التوقف عندها بعمق، تأكيد جلالة الملك أن الوظيفة العامة ليست تشريفا يرفع صاحبها عن العمل وخدمة الناس، وأنه لا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه، وأن القانون لا يعرف اسما ولا منصبا ولا نفوذا.
هذه ليست مجرد دعوة إلى مكافحة الفساد، بل هي تأكيد على فلسفة الدولة التي نريدها، دولة المؤسسات التي تكون فيها المسؤولية تكليفا لا تشريفا، والمنصب وسيلة لخدمة الناس لا لتحقيق المصالح، وسيادة القانون مبدأ يطبق على الجميع دون استثناء.
الإصلاح الإداري والسياسي والاقتصادي لن يحقق أهدافه دون تطبيق ثقافة المساءلة، وإنهاء مظاهر الواسطة والمحسوبية، وتكريس مبدأ تكافؤ الفرص، وتقديم الكفاءة والنزاهة على الاعتبارات الشخصية.
ولعل الرسالة التي وجهها جلالة الملك إلى الأردنيين بشأن حقهم الدستوري في التداول بالشأن العام تمثل بعدا مهما لحرية التعبير، فالدولة القوية لا تخشى الرأي الآخر، والمجتمع الواثق من مؤسساته لا يعتبر النقد المسؤول تهديدا لها. بل إن فتح المجال أمام الحوار والنقاش وتبادل الآراء مهم جدا لتصويب المسارات وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
ومن المهم أن ندرك أن المسؤولية الوطنية ليست حكرا على الحكومة أو البرلمان، بل هي مسؤولية مشتركة تتطلب مشاركة الأحزاب والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص والمواطنين، كل من موقعه واختصاصه، وإن ما يحتاجه الأردن اليوم ليس المزيد من العناوين الكبيرة بقدر ما يحتاج إلى إرادة تنفيذية قادرة على تحويل هذه العناوين إلى واقع، فالتحديات التي نواجهها لا تحتمل التأجيل، والظروف الإقليمية لا تمنحنا رفاهية إهدار الفرص، والظروف الاقتصادية للمواطن تفرض على الجميع أن يكونوا أكثر جدية في العمل وأكثر وضوحا في تحديد الأولويات.
في المحصلة، أعتقد أن القيمة الأهم لخطاب العرش تكمن في أنه أعاد وضع المسؤولية في مكانها الصحيح: الحكومة مسؤولة عن الإنجاز، والبرلمان مسؤول عن التشريع والرقابة، والأحزاب مسؤولة عن تطوير الحياة السياسية، والإدارة العامة مسؤولة عن خدمة المواطن، والمجتمع شريك في حماية الدولة وتطويرها... وهكذا..
الاردن أمام إختبار حقيقي لتحويل التحديات إلى فرص ويمتلك القوى البشرية الكافية للنجاح في هذا الاختبار على أن يوازيه أمانة المسؤولية.
عاش الأردن حرا عربيا عزيزا كريما بحفظ الله ورعايته، وفي ظل قيادة هاشمية رؤوفة رحيمة حكيمة.
حفظ الله أردنا الأغلى وشعبنا الأوفى وقائدنا الأعلى من كل مكروه.
والله ولي التوفيق
احمد الرفاعي
2/3/2026

























