وصفي الصفدي يكتب : مسودة قانون الضمان الاجتماعي في الأردن: قراءة نقدية شاملة في مواطن الضعف ومخاطر المساس بالأسر والعقد الاجتماعي

وصفي الصفدي يكتب : مسودة قانون الضمان الاجتماعي في الأردن: قراءة نقدية شاملة في مواطن الضعف ومخاطر المساس بالأسر والعقد الاجتماعي
نبأ الأردن -
لم تعد مسودة التعديلات المقترحة على قانون الضمان الاجتماعي مجرد مشروع تقني لتحسين الملاءة المالية، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لصلابة العقد الاجتماعي بين الدولة والمشتركين.
 القراءة المتعمقة لبنود المسودة تكشف أن مكامن الضعف لا تقتصر على جانب واحد، بل تمتد إلى فلسفة التشريع، توزيع المخاطر، علاقة الدولة بالمؤسسة، بنية الحوكمة، وأثر السياسات على سوق العمل والاستقرار الاجتماعي.
الضمان الاجتماعي في جوهره ليس عقداً فردياً بين المؤسسة والمشترك، بل هو شبكة أمان تمتد آثارها إلى أسر كاملة تعتمد في استقرارها على دخل المنتسب أو المتقاعد. لذلك فإن أي تعديل يمس شروط الاستحقاق أو مستوى المنافع لا ينعكس على الفرد وحده، بل يطال دائرة أوسع تشمل الزوجة والأبناء والوالدين ومن يعولهم. من هنا، فإن تقييم مسودة القانون يجب أن ينطلق من منظور العدالة الأسرية والاجتماعية، لا من زاوية حسابية ضيقة.
أولاً: اختلال الفلسفة التشريعية من الحماية إلى الانكماش
يُفترض أن يقوم الضمان الاجتماعي على مبدأ الحماية والادخار طويل الأمد، لكن المسودة تميل إلى مقاربة انكماشية تركّز على تقليص المنافع وضبط النفقات دون تقديم رؤية موازية لتعزيز الإيرادات عبر توسيع قاعدة المشتركين أو تحفيز التشغيل. هذا التحول في الفلسفة يضع العبء الأكبر على المشترك بدلاً من توزيع المخاطر بشكل متوازن بين الدولة وأصحاب العمل والمؤسسة.
تكمن إشكالية المسودة في أنها تتعامل مع الضمان الاجتماعي كصندوق مالي يحتاج إلى ضبط، لا كنظام حماية اجتماعية متكامل يرتبط بسوق العمل، وبالسياسة الاقتصادية، وبعلاقة الدولة بالمواطن.
ثانياً: التقاعد المبكر وتشديد الشروط دون معالجة البطالة
تشديد شروط التقاعد المبكر أو إعادة احتسابه في ظل بطالة مرتفعة يمثل خللاً في التسلسل الإصلاحي. القانون يعالج المخرج المالي دون معالجة مدخلات السوق. العامل الذي يُستبعد من سوق العمل في سن متقدمة ولا يجد فرصة بديلة يتحول من مساهم إلى عبء اجتماعي. المسودة لا تتضمن آليات انتقالية واضحة أو برامج إعادة تأهيل إلزامية توازي هذا التشدد.
في السياق الأردني، حيث يعتمد عدد كبير من الأسر الممتدة على دخل معيل واحد، يصبح أي انخفاض في الراتب التقاعدي أو تأخير في الاستحقاق عاملاً مباشراً في تراجع القدرة على الإنفاق على التعليم والصحة والسكن.
على المدى القريب، قد يؤدي ذلك إلى تراكم الديون، تقليص الإنفاق على الاحتياجات الأساسية، أو خروج الأبناء من التعليم المبكر لسوق العمل. أما على المدى البعيد، فإنه يكرس دورة فقر بين الأجيال، لأن تراجع الاستثمار في التعليم والصحة يضعف رأس المال البشري للأسرة.
ثالثاً: غياب آلية ملزمة لربط الرواتب التقاعدية بالتضخم
من أبرز مواطن الضعف عدم وجود نص قانوني صريح يربط الرواتب التقاعدية بمؤشر أسعار المستهلك بشكل تلقائي. ترك التعديل للقرارات التقديرية يعرض المتقاعدين لمخاطر تآكل القوة الشرائية، خصوصاً في فترات التضخم. هذا الفراغ التشريعي يُضعف مفهوم الحماية الحقيقية ويحوّل الاستحقاق إلى قيمة اسمية قابلة للتآكل.
المتقاعد في الأردن لا يعيل نفسه فقط؛ كثير منهم يعيل أبناء عاطلين عن العمل أو بنات غير عاملات أو حتى أحفاداً. ومع ارتفاع تكاليف المعيشة، فإن أي جمود في الراتب التقاعدي يتحول إلى عبء مباشر على الأسرة بأكملها.
على المدى القريب، يتراجع مستوى المعيشة. وعلى المدى البعيد، يتحول المتقاعد من مصدر دعم للأسرة إلى حالة هشاشة قد تحتاج إلى دعم اجتماعي إضافي، ما يضاعف الضغط على المالية العامة.
رابعاً: عبء الاشتراكات وتأثيره السلبي على التوظيف
تركيبة الاشتراكات الحالية، في ظل بيئة أعمال هشة، قد تعمّق عزوف أصحاب العمل عن التوظيف الرسمي. المسودة لا تتضمن أدوات تحفيزية مرتبطة بخلق فرص العمل أو تخفيضات مشروطة للشركات الصغيرة والناشئة. غياب هذا البعد يعكس ضعف الربط بين السياسة التأمينية والسياسة الاقتصادية، ما يهدد بتوسيع القطاع غير المنظم وتقليص قاعدة المشتركين.
إذا أدت السياسات المقترحة إلى زيادة كلفة التشغيل الرسمي أو تثبيط التوظيف، فإن الأسر التي ينتظر أبناؤها فرصة عمل ستبقى دون مصدر دخل مستقر. البطالة ليست مجرد رقم في الإحصاءات، بل هي أسرة بلا ضمان صحي كافٍ، بلا مدخرات تقاعدية، وبلا أمان مستقبلي.
بهذا المعنى، قد يتحول القانون، إن لم يُصمم بعناية، إلى عامل غير مباشر في تعميق البطالة وتوسيع الاقتصاد غير المنظم، ما يحرم الأسر من مظلة الحماية الاجتماعية.
خامساً: قصور في شمول العاملين في الاقتصاد غير المنظم والعمل الحر
لا تعالج المسودة بشكل كافٍ التحولات في سوق العمل، خصوصاً العمل الحر والعمل الرقمي. بقاء النموذج التأميني قائماً على العلاقة التقليدية بين صاحب العمل والعامل يحرم شريحة متنامية من الحماية، ويضعف الاستدامة على المدى الطويل. غياب إطار مبسط ومرن للاشتراك الطوعي المنظم يمثل فجوة هيكلية.
هذا القصور يحد من قدرة المنظومة على التوسع ويترك شريحة متنامية خارج مظلة الحماية، ما يعمّق الفجوة الاجتماعية ويضعف الاستقرار الأسري.
سادساً: ضعف الربط بين تأمين التعطل وسياسات التشغيل
تأمين التعطل، بصيغته الحالية والمقترحة، يظل أداة تعويض مؤقتة أكثر منه أداة إعادة إدماج إنتاجي. لا توجد نصوص واضحة تربط الاستفادة ببرامج تدريب وتأهيل إلزامية وفق احتياجات السوق. هذا الفصل بين التعويض والتنشيط المهني يقلل من فعالية الأداة ويزيد الضغط المالي دون مردود تنموي.
في بيئة بطالة مرتفعة، يصبح غياب هذا الربط سبباً إضافياً لإطالة أمد التعطل، ما يفاقم هشاشة الأسر المعتمدة على دخل فرد واحد.
سابعاً: غموض حماية الحقوق المكتسبة
المسودة لا تتضمن ضمانات انتقالية مفصلة تطمئن الفئات القريبة من سن التقاعد. غياب نصوص صريحة تمنع أي مساس بالحقوق المتراكمة بأثر رجعي يخلق حالة من عدم اليقين القانوني، وهو عنصر يضعف الثقة بالمؤسسة ويؤثر في الاستقرار الاجتماعي.
أي شعور بعدم الأمان القانوني ينعكس مباشرة على قرارات الأسر المتعلقة بالادخار، والاستثمار في التعليم، والتخطيط طويل الأمد.
ثامناً: العلاقة المالية بين الدولة والمؤسسة
أحد أبرز مواطن الضعف يتمثل في غياب معالجة شاملة للعلاقة المالية بين الدولة ومؤسسة الضمان. إذا كانت هناك التزامات مترتبة على الخزينة أو استخدامات سابقة لأموال المؤسسة، فإن تجاهلها في سياق الإصلاح يخلق صورة غير مكتملة للاستدامة. الإصلاح الذي يركّز على ضبط المنافع دون معالجة التزامات الدولة تجاه الصندوق يظل إصلاحاً جزئياً.
عندما لا تكون العلاقة المالية بين الدولة ومؤسسة الضمان واضحة ومؤطرة بضمانات صارمة، فإن المخاوف لا تتعلق بالمشترك الحالي فقط، بل بأجيال كاملة تدخر لمستقبلها. ضعف الثقة ينعكس مباشرة على استقرار الأسر التي تبني خططها المستقبلية على افتراض وجود نظام تقاعدي موثوق.
تاسعاً: استقلالية القرار الاستثماري
الاستدامة تعتمد بصورة جوهرية على أداء الاستثمارات. أي تداخل بين القرار السياسي والقرار الاستثماري يعرّض أموال المشتركين لمخاطر غير مبررة. المسودة لا تعزز بشكل كافٍ مبدأ الفصل الواضح بين الإدارة التنفيذية والاعتبارات السياسية، ولا تضع معايير إفصاح ملزمة بمستوى عالٍ من الشفافية حول المخاطر والعوائد.
في غياب استقلالية حقيقية، يصبح أمن مدخرات الأجيال رهناً بقرارات قد لا تخضع لمعيار المصلحة التأمينية البحتة.
عاشراً: بنية مجلس الإدارة والتمثيل
آلية تشكيل مجلس الإدارة تمثل نقطة حساسة في هيكل الحوكمة. إذا كان التعيين يتم بصورة مركزية دون تمثيل حقيقي وفعّال للمشتركين وأصحاب العمل، فإن ذلك يضعف الطابع التشاركي للمؤسسة. غياب آليات انتخاب أو تمثيل مهني واضح يقلل من الإحساس بالملكية الجماعية ويزيد فجوة الثقة بين المشترك وصانع القرار.
ضعف التمثيل لا يمس البنية الإدارية فقط، بل يمس حق المشتركين في المشاركة في إدارة مدخراتهم.
حادي عشر: ضعف المساءلة والرقابة متعددة المستويات
لا يكفي وجود رقابة شكلية. المطلوب إطار رقابي متكامل يشمل رقابة تشريعية فعالة، تدقيقاً خارجياً مستقلاً بمعايير دولية، وإفصاحاً دورياً مفصلاً يمكن للرأي العام الاطلاع عليه بسهولة. أي قصور في هذا الجانب يعمّق الشكوك ويقوض الاستقرار المؤسسي.
حماية قرش المشترك يجب أن تكون المعيار الوحيد لأي قرار إداري.
ثاني عشر: الأثر التراكمي على الفقر متعدد الأبعاد
المساس بمنافع الضمان لا يخلق فقراً نقدياً فقط، بل قد يؤدي إلى فقر متعدد الأبعاد يشمل تراجع القدرة على الوصول إلى الرعاية الصحية، تقليص الإنفاق على التعليم، ضعف الادخار الأسري، وتزايد الاعتماد على شبكات دعم غير رسمية.
عندما تصبح شبكة الأمان الرسمية أقل فاعلية، تتحمل الأسرة أعباء أكبر، وقد تضطر إلى بيع أصول أو اللجوء إلى الاقتراض، ما يعمّق هشاشتها الاقتصادية.
القضية لا تتعلق بمشترك أو متقاعد بمعزل عن محيطه. كل قرار يمس الراتب التقاعدي أو شروط الاستحقاق هو قرار يمس أسرة بأكملها. في مجتمع يعتمد فيه عدد كبير من الأسر على دخل معيل واحد، يصبح أي تقليص غير مدروس للمنافع خطراً اجتماعياً يتجاوز الحسابات الاكتوارية.
الخلاصة
مواطن الضعف في المسودة تمتد من الفلسفة التشريعية إلى تفاصيل الحوكمة، ومن العلاقة مع الدولة إلى الأثر المباشر على الأسر.
غياب فلسفة توسعية موازية للإصلاح المالي
نقل المخاطر إلى الفرد دون بدائل سوقية
ضعف حماية القوة الشرائية للمتقاعد
قصور الشمول التأميني
غموض العلاقة المالية مع الدولة
ضعف استقلالية القرار الاستثماري
محدودية التمثيل والمساءلة في مجلس الإدارة
إنصاف المشتركين يقتضي حماية صريحة للحقوق المكتسبة، وضمان عدم تآكل القوة الشرائية، وربط الإصلاح بسياسات تشغيل حقيقية، وتعزيز الشفافية، وتوزيعاً عادلاً للمخاطر بين الدولة والمؤسسة والمشترك.
الضمان الاجتماعي هو خط الدفاع الأخير ضد الفقر والهشاشة. وأي قانون لا يضع الأسرة في قلب معادلته، ولا يعالج مكامن الضعف المؤسسي بوضوح، قد يتحول من أداة حماية إلى عبء يفاقم الفقر بدلاً من أن يحد منه، ويضعف العقد الاجتماعي بدلاً من أن يعززه.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions