م.صلاح طه عبيدات يكتب: أنفاس النور في ليالي القرب
نبأ الأردن -
يجيء رمضان، فلا يأتي كزائرٍ من الزمن، بل كنسمةٍ من العالَم الآخر، كأنّ روحًا قديمة تستيقظ في القلب لتذكّره بأن له أصلًا من نور، وأنه مهما ابتعد فإن الطريق لا يضيع.
في هذا الشهر، تتجلّى لحظة الوحي الأولى لا كتاريخٍ نرويه، بل كنبضٍ يتردّد في أعماقنا. نسمع صدى "اقرأ” لا بأذن الرأس، بل بأذن الروح التي أدركت أن القراءة الحقيقية هي قراءة الوجود، وأن الكلمات الإلهية لم تنـزل إلى الأرض لتبقى على السطور، بل لتصعد بالإنسان إلى مقامات لا يبلغها بجسده.
نزول الكتاب في رمضان ليس حدثًا يُذكَر، بل سرًّا يُكشَف؛ فبعض الليالي تمتلك من الصفاء ما يجعل القلب مستعدًا ليكون سماءً، والروح مستعدة لتكون محلًّا للنور. وما ليلة القدر إلا لحظة يلتقي فيها الإنسان بصفاء بداياته، فيظنّ أنه عاد إلى ما كان عليه قبل أن تُثقله الأرض.
الهداية في معناها العميق ليست طريقًا يُؤخَذ، بل انكشاف حجاب عن بصيرة كانت نائمة. حين يهديك الكتاب، فإنك لا تتحرّك نحو الله فقط؛ بل تكتشف أنّ الله كان أقرب إليك مما ظننت، وأنك كنت تسير نحوه منذ البداية دون أن تعرف.
ولأن النور يكشف ولا يُجبر، فقد رفع الله به أقوامًا لأنهم أبصروا، ووضع به آخرين لأنهم مرّوا على النور دون أن يلتفتوا. العزّة ليست في القوة، بل في اليقظة؛ ومن عرف مقامه بين يدي الحق لم يهن، ومن ابتغى نوره من غيره عاش في ظلالٍ لا تدوم.
وقد فهم أهل البصيرة أن الوحي لم ينـزل ليقوّم جسدًا، بل ليقوّم روحًا؛ ليحرّر الإنسان من كلّ ما سلبه حريته: من خوفه، ومن جهله، ومن ظنونه، ومن سجنه داخل حدود ذاته. وما قاله ربعيّ لِرستم لم يكن خطابًا من مُقاتل، بل من عارفٍ أدرك أن الوجود أوسع من الطغيان، وأن الروح أكبر من العروش.
حتى الجنّ حين سمعوا القرآن قالوا إنه يهدي إلى الرشد؛ فمن طلب النور رآه، ومن فتح نافذةً صغيرة للحق دخل عليه نورٌ يملأ الكون.
وإذا كان الوحي قد نزل ليُخرج الناس من الظلمات إلى النور، فإن الظلام الحقيقي ليس ما يغشى العيون، بل ما يغشى القلوب حين تنشغل عن ربّها بما هو فانٍ. والنور ليس ما يُرى، بل ما يُدرَك حين يصفو القلب، وتلين الجوارح، وتنكسر الأنا بين يدي خالقها.
القرآن ليس كتابًا نقرؤه، بل مرآة نرى فيها أنفسنا، ونقطة ضوء تُعيد إلينا أصلنا الأول. والطفل الذي يحفظه، إنما يزرع في صدره بستانًا من المعاني، يكبر معه، ويُثمِر كلما اشتدّت عليه الدنيا.
ورمضان — في جوهره — ليس موسم إمساك، بل موسم إمســاكٍ عن كل ما يُبعدك عن الله؛ صومٌ عن الغفلة قبل الطعام، وصلاةٌ للقلب قبل الأطراف، وقيامٌ للروح قبل الجسد.
وفي آخر الليل، حين يسكن كل شيء، تشعر كأنك تعود إلى نفسك الأولى؛ تلك التي كانت تعرف طريقها دون أن تُعلَّم، وتسمع نداءً يأتيك من بعيد:
طوبى لمن حمل نور الوحي في قلبه، فإن النور إذا سكن في إنسان، لا تعود الظلمة تجد إليه سبيلًا.
وتقبّل الله منا ومنكم الصيام والقيام وصالح الأعمال، وجعلنا وإياكم من أهل أنفاس النور وطمأنينة القرب.

























