عبدالله محمد القضاه يكتب:الضمان الاجتماعي: بين عدالة الأجيال وإستدامة الصندوق

عبدالله محمد القضاه يكتب:الضمان الاجتماعي: بين عدالة الأجيال وإستدامة الصندوق
نبأ الأردن -
يشكل تعديل قانون الضمان الاجتماعي لحظة مفصلية في مسار الدولة الاجتماعية الأردنية. النقاش الدائر حول رفع سن التقاعد إلى 65 عاماً ليس مسألة تقنية محايدة فحسب؛ إنه قرار يمس العقد الاجتماعي ويعيد تعريف مفهوم العدالة بين الأجيال.
لا أحد يختلف على أولوية الاستدامة المالية. تؤكد جميع الدراسات الاكتوارية، محلياً ودولياً، أن أنظمة التقاعد التي لا تُراجع معادلاتها الديموغرافية والمالية في الوقت المناسب تتحول إلى عبء على الأجيال الشابة. وقد أكدت تقارير Organisation for Economic Co-operation and Development أن الإصلاحات الناجحة لأنظمة التقاعد لا تقوم بأداة واحدة، بل بمزيج متوازن من سياسات: سن التقاعد، ومعادلات الاحتساب، وعدالة توزيع المنافع. فهل رفع سن التقاعد هو الخيار الوحيد؟ الجواب الموضوعي: لا.
في تجارب عدة دول، لم يكن تمديد العمر الوظيفي المدخل الأول للإصلاح، بل أعيد تصميم "معامل المنفعة" لاحتواء الكلفة الاكتوارية للرواتب المرتفعة وتحقيق عدالة أكبر داخل النظام. اتجهت بعض النماذج إلى تخفيض معامل الاحتساب للشرائح العليا وربط جزء من المنافع بعوامل الاستدامة طويلة الأمد، بدلاً من تحميل الجميع عبء تمديد سنوات العمل.
في الأردن، تكمن الإشكالية تاريخياً في كلفة التقاعد المبكر وفي تضخم المنافع لدى مراتِبٍ مرتفعة مقارنة بحجم الاشتراكات الفعلية. ومن واقع خبرتي كمدير إدارة الدراسات ومدير إدارة التخطيط الاستراتيجي في المؤسسة، الخلل ليس في بلوغ سنّ الستين بحد ذاته، بل في بنية المعادلة التي تتيح تراكم منافع مرتفعة بكلفة مستقبلية كبيرة.
لذلك، الإصلاح الذكي لا يكون بتمديد سن التقاعد إلى 65 عاماً بشكل شامل، بل بإعادة ضبط معامل المنفعة. إذا كان الراتب التقاعدي — للوجوبي والمبكر — يُحتسب اليوم بمعامل منفعة (2.5%) لأول 1,500 دينار و(2%) لما يزيد على ذلك، فإن إدخال معامل جديد بنسبة (1.5%) للجزء الذي يتجاوز 3,000 دينار، مع رفع الاشتراك بنسبة (1%) على هذا الجزء، يحقق توازناً عملياً لعدة أسباب: الحد من تضخم الرواتب التقاعدية المرتفعة دون المساس بذوي الدخول المتوسطة، وتعزيز الإيرادات التأمينية مباشرة، وخلق مساحة مالية تسمح برفع الحد الأدنى للرواتب التقاعدية إلى ما لا يقل عن 220 ديناراً ؛ وهو تجسيد حقيقي لمبدأ التكافل الاجتماعي.
أما صحّة المعيار العمري لشيخوخة التقاعد، فأقترح سنّ 62 للرجل و58 للمرأة مع اشتراك لا يقل عن 20 عاماً. هذا تعديل وسط يراعي طبيعة سوق العمل الأردني، حيث تتراجع فرص التشغيل مع التقدّم في السن، ويصعب في كثير من القطاعات ضبط موظف حتى سن الخامسة والستين.
الإصلاح الحقيقي لا يقوم على تعميم العبء، بل على إعادة توزيع المنافع بعدالة. الأدبيات الحديثة في إصلاح أنظمة الضمان تؤكد أن العدالة العمودية بين مستويات الدخول لا تقل أهمية عن العدالة بين الأجيال. تمديد السن قد يحسّن المؤشرات الحسابية على الورق، لكنه قد يولد توترات اجتماعية إذا لم يكن جزءاً من حزمة إصلاح متكاملة. أما تعديل معامل المنفعة، فهو إصلاح بنيوي يعالج أصل الخلل بدلاً من تأجيله.
الضمان الاجتماعي ليس صندوق أرقام فحسب؛ إنه ركيزة استقرار وطني. ولا تتحقق استدامته بإطالة سنوات العمل وحدها، بل بتصحيح معادلة توزيع العائد التأميني بما يحمي الصندوق ويعزز الثقة العامة به. الإصلاح المطلوب اليوم ليس قراراً سهلاً، لكنه يجب أن يكون قراراً عادلاً. والعدالة تبدأ من المعادلة.
*أمين عام سابق
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions