م.صلاح طه عبيدات يكتب:رسالة إلى جدي...رحمه الله

م.صلاح طه عبيدات  يكتب:رسالة إلى جدي...رحمه الله
نبأ الأردن -
المرسل : مواطن أردني على أعتاب التقاعد.


جدي العزيز…
أكتب إليك من عالمٍ ما زال يشبه ذاك الذي غادرتَه، لكنه أثقل على القلب وأكثر ضيقاً على الناس. أكتب إليك لا لأشكو، بل لأفهم. ولعلّ بينك وبين الموت حكمةٌ لا نبلغها نحن الأحياء الذين يحاصرهم قلق المعيشة وتحوّلات الدولة.
يا جدي، لقد تغيّر وجه الحكومة التي كنتَ تقول إنها "راعية الناس”. باتت اليوم تُلقي على المواطن عبئاً لم يصنعه، وتقدّم قوانين اقتصادية تبدو في ظاهرها تنظيماً، وفي باطنها زيادةً في ما يُثقل حياتنا. وكأن الدولة لم تعد تسأل: ماذا يحتاج الناس؟ بل صارت تسأل: ماذا يمكن أن يتحمّل الناس بعد؟
أسمعك تقول لي: أين العقد الاجتماعي؟
وأجيبك يا جدي بأن سؤال روسو القديم عاد، لأن المواطن يشعر كأنه يُدفع إلى قبول قوانين لا يرى أثرها إلا في نقص خبزه وارتفاع كلفة يومه. كأن السلطة تنسى أن وجودها قائم على العدالة، لا على القدرة على الجباية.
جدي، كنا نعتقد أن مجلس النواب هو الميزان الذي يعيد التوازن بين الناس والحكومة. لكن الميزان أحياناً يبدو مثقلاً بصمته، كأنه يراقب من بعيد، بينما تمرّ القوانين التي تمسّ حياة الناس دون أن تُقاس بقلوبهم. وقد قالت هانا آرنت إن غياب المساءلة أرض خصبة للأخطاء، وكأنها تُخاطبنا نحن، لا أهل زمانها.
أما نحن يا جدي، فنحاول الصبر. لكن الصبر، كما علمتنا، ليس فضيلة إن غاب العدل. والمواطن اليوم يشعر أن أبواب الحياة تضيق، وأن الدولة تنظر إلى جيبه أكثر مما تنظر إلى حاجته. وكلما صدرت تشريعات جديدة، أحسّ كأنها تُكتب لمجتمعٍ آخر، لأناسٍ لا يعيشون القلق الذي نعيشه نحن.
أكتب إليك لأنني أعرف أنك كنت تؤمن بأن الدولة ليست خصماً للناس، بل شريكهم. وأن القوانين لا تُقاس بما تدخّله إلى الخزينة، بل بما تحفظه من كرامة البشر. وأعرف أنك لو كنت بيننا، لقلت: "الدولة التي لا تنظر في حال المواطن تفقد معناها، والمجلس الذي لا يراقب يفقد روحه”.
جدي، ما زلنا ننتظر لحظة تستعيد فيها الحكومة حكمتها، والمجلس يقظته، فيعود القانون حمّالاً للعدل، لا حمّالاً للعبء. وما زلنا نرجو أن يشعر المواطن بأن الدولة حوله لا فوقه، ومعه لا عليه.
أكتب إليك، لا لأنك ستجيب، بل لأن الكلام إليك يجعل صدري أخفّ، ولأنني أعرف أن حكمتك—حتى من عالم الأموات—قد تظلّ أقرب إلينا من بعض السياسات التي تتخذ باسمنا دون أن تُصاغ لنا.
حفيدك الذي ما زال يؤمن أن الفلسفة قادرة على إنقاذ ما بقي من معنى الوطن.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions