عمر الدريني يكتب: رجل الأمن ليس رقمًا في بيان: من يحمي من يحمون الناس؟
نبأ الأردن -
تأتي البيانات الرسمية بعد الحوادث بلغة مقتضبة تفرضها طبيعة الإعلان الأولي: إصابة، أو وفاة، أو مباشرة التحقيق، أو اتخاذ الإجراءات اللازمة، وهي لغة ضرورية لنقل المعلومة، لكنها لا تروي الحكاية كاملة، فخلف كل اسم يرد في بيان رجل له أسرة تنتظره، وحياة تتجاوز حدود وظيفته، وأحلام لم يكن يتوقع أن تنتهي أو تتغير بسبب لحظة أثناء أداء واجبه، ومن هنا يبدأ سؤال لا ينبغي أن يغيب بعد انقضاء موجة الحزن: من يحمي الذين يتولون حماية الناس؟
حين يفقد رجل أمن حياته أثناء الخدمة وتأدية الواجب الوطني، يتجه الاهتمام بطبيعة الحال إلى استذكار شجاعته وتقدير تضحيته، وهذا أقل ما يستحقه، لكن الوفاء الحقيقي لا ينبغي أن يتوقف عند كلمات الرثاء وصور التكريم؛ فالأهم أن تتحول هذه المشاعر إلى سياسات تحمي العاملين في الميدان، وتقلل تعرضهم للمخاطر، وتوفر لهم ما يحتاجون إليه لأداء واجباتهم بأمان وكفاءة، فالشجاعة لا تعفي المؤسسة من مسؤوليتها، والجاهزية لا تعني ترك الفرد يواجه الخطر بإمكاناته وحدها.
وتبدأ الحماية من فهم طبيعة العمل الميداني وتقييم مخاطره بصورة مستمرة، فاختلاف المواقع والمهام والظروف يفرض توفير تجهيزات مناسبة، وتدريب عملي يتجدد وفق التحديات، وتعليمات واضحة لا تترك العامل أمام الاجتهاد في المواقف الحرجة، كما أن وسائل الاتصال الفعالة، وسرعة الاستجابة لطلبات الإسناد، وتحديد المسؤوليات عند الطوارئ، ليست تفاصيل إدارية ثانوية؛ إنها عناصر أساسية في منظومة السلامة التي قد تصنع فارقًا حاسمًا في لحظة الخطر.
ولا تقتصر سلامة رجل الأمن على ما يرتديه أو يحمله من معدات، فالإرهاق المتراكم، وطول ساعات العمل، وقلة فترات الراحة، والتعرض المتكرر للمواقف الصادمة، كلها عوامل تؤثر في التركيز والقدرة على اتخاذ القرار، لذلك ينبغي أن تشمل الرعاية المهنية تنظيم أوقات العمل، ومراعاة فترات التعافي، وإتاحة الدعم النفسي عند الحاجة، وتوفير قنوات آمنة يستطيع العاملون من خلالها الإبلاغ عن مواطن الخلل والصعوبات الميدانية دون خشية من اللوم لمجرد تنبيههم إليها، فالمؤسسة التي تريد أداءً موثوقًا عليها أن تهتم بالإنسان الذي يقف خلف هذا الأداء.
ومن الخطأ أن تتحرك هذه الملفات بعد وقوع مأساة فقط، فالحماية ليست حملة مؤقتة، ولا استجابة مرتبطة بحادثة تتصدر الأخبار ثم تتراجع من الاهتمام؛ إنها مسؤولية يومية تتطلب متابعة وتقييمًا وتحديثًا، كما أن أسر العاملين تستحق أن تجد إطارًا واضحًا للرعاية عند الإصابة أو الوفاة أثناء الخدمة، يضمن سرعة إنجاز حقوقها، ويوفر لها الدعم المادي والاجتماعي والنفسي وفق الأنظمة المعمول بها، ففي أوقات الفقد لا ينبغي أن تتحول الإجراءات إلى عبء إضافي على أسرة تواجه مصابًا يفوق قدرتها على الاحتمال.
وتبقى للجانب الإنساني خصوصيته التي تستوجب الاحترام، فالتعاطف مع أسرة من فقدت ابنها أو معيلها لا يمنح أحدًا حق تداول تفاصيلها الشخصية أو صورها أو ظروفها دون موافقتها، وليس من الإنصاف أن تتحول مأساة الأسرة إلى مادة للاستعراض الإعلامي أو سباق على نشر المعلومات، احترام التضحية يبدأ أيضًا باحترام خصوصية أصحابها، وترك المجال لهم ليعيشوا حزنهم وكرامتهم بعيدًا عن الاستغلال.
أما المجتمع، فله دور لا يقل أهمية عن دور المؤسسة، احترام رجل الأمن أثناء أداء واجبه، والامتناع عن الاعتداء عليه أو إهانته أو عرقلة عمله، ليست مظاهر مجاملة، بل سلوك يعكس فهمًا للمسؤولية المشتركة عن سلامة الجميع، وفي المقابل، فإن تقدير العاملين في الميدان يقتضي الإنصاف في التعامل معهم، وصون حقوقهم، وعدم اختزالهم في صورة وظيفية تتجاهل تعبهم واحتياجاتهم الإنسانية، فهم ليسوا أدوات تعمل بلا إنهاك، ولا أشخاصًا يفقدون حقهم في الحماية لأن طبيعة عملهم تنطوي على المخاطر.
رجل الأمن ليس رقمًا في بيان، وواجب الخدمة لا يعني أن تُترك حياته للمخاطرة دون استعداد ورعاية، ومن يحمي الناس يستحق أن يجد مؤسسته إلى جانبه قبل الخطر وأثناءه وبعده، وأن يجد مجتمعه سندًا يحترم دوره وحقوقه، وأن تحظى أسرته بالعناية التي تحفظ كرامتها عند الشدائد.
فلا يكفي أن نحيّي من يحموننا حين نفقد أحدهم؛ الوفاء الحقيقي أن نعمل كي يعودوا إلى بيوتهم سالمين.
رحم الله شهيد الواجب العريف جواد السلايطة وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان
























