يحيى الحموري يكتب: الملك يرسم الطريق، فمن يزيل الأشواك

يحيى الحموري يكتب: الملك يرسم الطريق، فمن يزيل الأشواك
نبأ الأردن -
ثمة خطابات تمر على السمع، وثمة خطابات تستدعي السمع من غفلته. أما خطاب العرش، فليس ما يستوقف فيه ما قيل فحسب، بل ما يضعه بين يدي الدولة من أسئلة، وما يتركه في ضمير الوطن من مساحات لا تملؤها البلاغة، مهما اتسعت أجنحتها.

في هذا الخطاب، لم يكن الأردن واقفا أمام مرآة الحاضر، بل أمام نافذة المستقبل؛ خلفه وطن خبر النار فلم يفقد ملامحه، وأمامه عالم تتكاثر فيه الشقوق، وتتنازع خرائطه مطامع لا تشبع. وبين المرآة والنافذة، ثمة حقيقة أردنية لا تحتاج إلى المبالغة كي تثبت: هذه الدولة تعرف ثمن بقائها، ولذلك لا تنظر إلى التحديات بعين العابرين.

لكن للأوطان امتحانات لا تجيب عنها البنادق وحدها؛ فهناك امتحان الأمن، حين يحاول الإرهاب أن يستعير وجها من وجوه الوطن، وهناك امتحان الحق، حين يراهن الظلم على تعب الذاكرة، وهناك امتحان الدولة مع نفسها، حين يصبح عليها أن تثبت أن القانون ليس ظلا للنفوذ، بل سقفا لا يستطيع أحد اختراقه.

ومن هنا، لا تبدو عبارة الملك عن سيادة القانون تفصيلا في خطاب، بل مسطرة تقاس بها المسافة بين هيبة الدولة وهيبة الأشخاص. فالدولة التي تحتاج إلى حماية صاحب المنصب من القانون تضعف بقدر ما تحميه، أما الدولة التي تحمي القانون من صاحب المنصب، فتمنح هيبتها جذورا لا تقتلعها الأسماء.

ثم انظروا إلى الماء!

ثلاث مرات طرق الملك باب العبارة: المياه، المياه، المياه. ولم يكن التكرار صدى لغويا، بل جرس إنذار في بيت المستقبل. فالماء الذي يجري اليوم في الأنابيب قد يصبح غدا نهرا من الأسئلة إذا نام التخطيط واستيقظ العطش. وليس أخطر على الأوطان من أزمة ترى مقدماتها ولا تستعد لها؛ إذ لا يسرق المستقبل دائما عدو يقتحم الحدود، فقد تسرقه أيضا فرصة أهملناها حتى أغلقت بابها.

وفي فلسطين، لا يقف الأردن عند باب السياسة مستجديا انتباه العالم؛ بل يقف عند باب التاريخ شاهدا على أن الحقوق لا تسقط بالتعب، وأن الزمن ليس مغسلة للجرائم، وأن القوة، مهما ارتفعت، لا تستطيع أن تمنح الباطل شهادة ميلاد شرعية. هناك شعوب قد يحاصرها الجدار، لكن الجدار لا يحاصر الحقيقة؛ وقد تضيق عليها الأرض، لكن الأرض لا تنسى أصحابها.

أما مجلس الأمة، فقد وضعه الخطاب أمام سؤال يتجاوز المقاعد والقبة والانتخابات: ماذا يبقى من الديمقراطية إذا تحول الاختلاف إلى خصومة، والتوافق إلى غاية بذاته، والموقع العام إلى امتياز؟ إن الديمقراطية ليست فنا في ترتيب المقاعد، بل شجاعة في ترك الأفكار تتواجه دون أن يتواجه الوطن مع نفسه. وليست قيمة التوافق في عدد من اجتمعوا حوله، بل في مقدار ما أبقاه للناس من حق الاختيار.

غير أن أكثر ما يستحق التأمل في الخطاب هو تلك المسافة الخفية بين الدولة والمواطن؛ المسافة التي لا تقاس بالكيلومترات، بل بفاتورة لا يستطيع رب أسرة دفعها، وموعد علاج ينتظره مريض، وفرصة عمل يطاردها شاب، ومستقبل يريد أب أن يطمئن إليه قبل أن يغمض عينيه.

هناك، تحديدا، تسقط كل الزينة اللفظية، ويبدأ الامتحان الأصعب.

فالمواطن لا يأكل من بلاغة الإنجاز، ولا يسكن في ظلال الوعود، ولا يقيس التنمية بعدد المشاريع التي تحمل أسماء كبيرة، بل بما تغير في حياته من وجع، وما انفتح أمام أبنائه من أفق. وما لم تصل ثمار الدولة إلى مائدة الناس، ستظل المسافة قائمة بين ما تراه المؤسسات إنجازا وما يراه المواطن ضرورة مؤجلة.

فالكلمة الملكية حين تضع مصلحة الأردني في قلب القرار، لا تمنح المؤسسات مبررا للاكتفاء بالتصفيق، بل تضع في أيديها أمانة التنفيذ. فالخطاب ليس وساما تعلقه المؤسسات على صدورها، بل مسؤولية تعلقها في أعناقها.

وهنا تبلغ الحكاية ذروتها: الأردن لا يحتاج إلى أن يثبت للعالم أنه صلب فحسب؛ بل يحتاج، بالصلابة نفسها، إلى أن يثبت للأردني أن هذه الدولة القوية قادرة على أن تجعل حياته أكرم، ومستقبله أوسع، وحقه أقرب. فالقوة التي تحرس الحدود عظيمة، لكن القوة التي تحرس كرامة الإنسان هي التي تمنح تلك الحدود معناها.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي خطاب عظيم ليس أن يعارضه أحد، بل أن يتفق الجميع على عظمته، ثم لا يتغير شيء.

لهذا، لا ينبغي أن تكون خاتمة خطاب العرش نهاية الكلام، بل بداية المساءلة النبيلة: أن تتحول الهيبة إلى عدالة، والسيادة إلى قدرة، والتحديث إلى حياة، والوعود إلى وقائع لا تحتاج إلى من يشرحها للمواطن.

فالأردن الذي يعرف كيف يقف في وجه العاصفة، جدير بأن يعرف كيف يجعل الريح تدفع أشرعة مستقبله.

ذلك هو التحدي: ألا يبقى الخطاب أعلى من الواقع، بل أن يرتقي الواقع إلى مستوى الخطاب.
يحيى الحموري
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions