د. محمد الجبور يكتب: خطاب العرش.. الملك يضع الدولة أمام مسؤولياتها والمواطن في صدارة الأولويات
نبأ الأردن -
لم يكن خطاب العرش السامي الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني أمام مجلس الأمة اليوم خطاباً بروتوكولياً لافتتاح دورة برلمانية جديدة، بل كان خطاب دولة، ورسالة مسؤولية، وتحديداً واضحاً للأولويات التي يجب أن تتحرك على أساسها مؤسسات الدولة في المرحلة المقبلة.
لقد وضع جلالة الملك النقاط على الحروف، وأعاد التأكيد أن قوة الأردن لا تُقاس فقط بصلابة مؤسساته وقدرة أجهزته الأمنية، وإنما أيضاً بمدى عدالة مؤسساته، وثقة المواطن بدولته، وقدرة المسؤول على ترجمة الخطط والوعود إلى نتائج ملموسة في حياة الناس.
الأمن الوطني خط أحمر.. ووحدة الأردنيين مصدر القوة
جاء تأكيد جلالته على مواجهة الإرهاب، واستحضاره لدماء شهداء الكرك، ليؤكد أن أمن الأردن واستقراره ليسا مجالاً للمساومة أو الاختبار. فالأردن الذي يحميه جيشه العربي وأجهزته الأمنية، تحميه أيضاً وحدة شعبه ووعيه والتفافه حول وطنه وقيادته.
إن الرسالة هنا واضحة: لا مكان للإرهاب أو الفتنة أو كل من يحاول العبث بالنسيج الوطني الأردني، ولا بد أن تبقى وحدتنا الوطنية أقوى من كل محاولات الاستهداف.
القضية الفلسطينية.. موقف أردني لا يتغير
وفي الشأن العربي، جدد جلالة الملك موقف الأردن الثابت تجاه القضية الفلسطينية، مؤكداً أنه لا أمن ولا استقرار في المنطقة دون حصول الشعب الفلسطيني على حقه في أرضه، وأن الاعتداءات الإسرائيلية والأطماع التوسعية تشكل تهديداً لمستقبل المنطقة.
إن هذا الموقف ليس مجرد خطاب سياسي، بل هو امتداد لثوابت أردنية تاريخية، تعبر عن ضمير الأردنيين وموقفهم من العدالة والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
الرسالة الأهم: المواطن أولاً.. لا على هامش القرار
من أبرز ما حمله الخطاب تأكيد جلالته أن مصلحة الأردني يجب أن تكون في صلب كل قرار، لا على هامشه.
وهنا تكمن القضية الحقيقية التي ينتظر المواطن ترجمتها إلى واقع. فالمواطن لا يريد أن يسمع عن التنمية فقط، بل يريد أن يلمس أثرها في مستوى معيشته، وفرص العمل، والتعليم، والرعاية الصحية، والخدمات العامة، وقدرة أسرته على مواجهة أعباء الحياة.
لقد آن الأوان أن تنتقل السياسات الحكومية من لغة الخطط والبرامج إلى لغة الإنجاز والنتائج، وأن يصبح تقييم المسؤول مرتبطاً بما يحققه على أرض الواقع، لا بما يقدمه من تصريحات.
مجلس النواب أمام اختبار المسؤولية
كان خطاب جلالة الملك واضحاً في تحديد دور مجلس الأمة، باعتباره صوت الوطن وحارس المصلحة العامة والجهة الرقابية على الأداء الحكومي.
والأهم أن جلالته أكد أن الأردنيين لا يحكمون على المجلس من خلال القوانين التي يقرها فقط، بل أيضاً من خلال سلوكه وخطابه وأسلوب تعامله مع القضايا الوطنية.
وهذا يعني أن المرحلة المقبلة تتطلب برلماناً قريباً من الناس، جريئاً في الرقابة، مسؤولاً في التشريع، بعيداً عن المصالح الضيقة والحسابات الشخصية، وقادراً على مساءلة الحكومة ومتابعة التزاماتها.
سيادة القانون.. لا حصانة لمن يستغل المنصب
ومن أقوى الرسائل التي حملها الخطاب تأكيد جلالته أنه لا مكان لمن يتعامل مع الوظيفة العامة باعتبارها امتيازاً أو وجاهة اجتماعية، ولا حصانة لمن يسيء استخدام موقعه، وأن القانون لا يعرف اسماً ولا منصباً ولا نفوذاً.
هذه رسالة يجب أن تتحول إلى ثقافة مؤسسية راسخة، عنوانها النزاهة والمساءلة وتكافؤ الفرص، وأن يدرك كل مسؤول أن المنصب تكليف لخدمة الناس، وليس وسيلة لتحقيق المصالح أو بناء النفوذ.
فالدولة القوية لا تحمي المتنفذين، بل تحمي القانون، ولا تقاس هيبتها بسلطة المسؤول، بل بعدالة تطبيق القانون على الجميع دون استثناء.
الأمن المائي.. معركة سيادة ومستقبل
وعندما كرر جلالة الملك التأكيد على أهمية المياه، ووصف الأمن المائي بأنه ركيزة من ركائز السيادة الوطنية، فإنه وضع أحد أخطر التحديات الاستراتيجية أمام الحكومة.
فالمياه ليست ملفاً خدمياً عابراً، بل قضية أمن وطني وحق للأجيال القادمة. وهذا يستوجب تسريع مشاريع الأمن المائي، ومتابعة تنفيذها، وحماية الموارد، ووضع خطط استباقية قابلة للقياس والمحاسبة.
من خطاب العرش إلى برنامج عمل ومحاسبة
إن قيمة خطاب العرش لا تكتمل بالاستماع إليه أو الاحتفاء بمضامينه، بل تبدأ بعد انتهاء مراسم الافتتاح، عندما تتحول رسائله إلى التزامات واضحة.
ونحن أمام استحقاقات وطنية تتطلب:
وضع مؤشرات أداء معلنة لقياس أثر المشاريع الاقتصادية الكبرى على فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة.
تعزيز الرقابة البرلمانية على الأداء الحكومي ومتابعة تنفيذ التعهدات.
ترسيخ مبدأ سيادة القانون ومحاسبة كل من يستغل موقعه الوظيفي.
تسريع مشاريع الأمن المائي ونشر تقارير دورية عن نسب الإنجاز.
تطوير الخدمات الصحية والتعليمية وتحسين جودتها وعدالة الوصول إليها.
حماية حرية الرأي المسؤول وتعزيز ثقافة الحوار واحترام الاختلاف.
الأردن يستحق أن تتحول الكلمات إلى أفعال
إن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني اليوم أعاد التأكيد على معادلة وطنية أساسية: دولة قوية بمؤسساتها، عادلة بقوانينها، آمنة بوحدة شعبها، وقادرة على حماية مصالحها ومستقبل أجيالها.
لكن الرسالة الأهم التي يجب أن تصل إلى كل مسؤول، وكل نائب، وكل صاحب قرار، هي أن ثقة المواطن ليست أمراً مضموناً بالكلمات، وإنما تُبنى بالإنجاز والعدالة والشفافية والشعور الحقيقي بأن الدولة تقف إلى جانب مواطنيها.
نحن لا نحتاج إلى مزيد من الوعود بقدر حاجتنا إلى نتائج، ولا إلى مزيد من الخطط بقدر حاجتنا إلى تنفيذ، ولا إلى مسؤول يبحث عن امتيازات المنصب، بل إلى مسؤول يدرك أن خدمة المواطن شرف وأمانة.
حفظ الله الأردن، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني، وأدام على وطننا نعمة الأمن والاستقرار، وجعل مصلحة الأردن والأردنيين دائماً فوق كل اعتبار.

























