د. عبدالله محمد القضاة يكتب: حين تُختبر الدولة بالكلمة: الإنصاف لوزير الداخلية وحماية الوحدة الوطنية
نبأ الأردن -
في الأزمات الوطنية الكبرى، لا تُقاس مسؤولية رجل الدولة بما يقوله فحسب، بل بما يحاول حمايته من تداعيات قد تتجاوز الحدث نفسه. وحين تستهدف جريمة إرهابية مواطنين في مكان للعبادة، فإن واجب الدولة لا يقتصر على ملاحقة الجناة وإنفاذ القانون، بل يشمل أيضاً حماية النسيج الوطني من التحريض والاستغلال والانقسام.
من هذا المنطلق، ينبغي قراءة تصريحات وزير الداخلية مازن الفراية في سياقها الكامل، بعيداً عن اجتزاء العبارات أو تحميلها معاني لا تحتملها. وهذا لا يمنع النقد الموضوعي لصياغة معينة، لكنه يقتضي التمييز بين نقد يهدف إلى التصحيح، وتأويل يوظف الكلام في سجالات لا تخدم المصلحة الوطنية.
لقد أكدت الرسائل الرسمية عقب جريمة كنيسة حمود في الكرك أن مواجهة التطرف مسؤولية وطنية شاملة، وأن جريمة يرتكبها أصحاب فكر تكفيري لا يجوز أن تتحول إلى ذريعة للتعميم على مكوّن اجتماعي بأكمله. فالمعركة الحقيقية هي مع الجريمة والفكر الذي يغذيها، لا مع المواطنين ولا مع هويتهم الدينية.
وتفرض هذه اللحظة قاعدة أساسية: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. فليس كل سجال يستحق التصعيد، ولا كل عبارة قابلة للتأويل تستدعي معركة على وسائل التواصل الاجتماعي. وعندما تكون الوحدة الوطنية والسلم الأهلي على المحك، علينا أن نسأل قبل نشر أي موقف: هل يساعد هذا النقاش في كشف الحقيقة وحماية المجتمع، أم يفتح ثغرة أمام الفتنة؟
المواطنون المسيحيون ليسوا جماعة طارئة على الأردن، ولا ضيوفاً يحتاجون إلى تبرير وجودهم؛ إنهم شركاء أصيلون في بناء الدولة وصياغة هويتها الوطنية، وحضورهم جزء من تاريخ الأردن وحاضره ومستقبله. والمواطنة حق متساوٍ، لا منحة من أغلبية ولا حماية مشروطة، وتصونها سيادة القانون والمؤسسات.
وفي خضم هذه الظروف، تبرز أهمية قراءة المواقف الرسمية بروح مسؤولة، تستحضر دقة المرحلة وحرص مؤسسات الدولة على حماية السلم الأهلي وصون الوحدة الوطنية. وقد عبّر وزير الداخلية عن هذا النهج، من خلال التأكيد على مواجهة الفكر المتطرف، ومنع استغلال الجريمة لإثارة الانقسام أو المساس بعلاقات الأردنيين الراسخة.
وفي الوقت نفسه، لا تخشى الدولة القوية من مواجهة مظاهر التطرف أينما وجدت، لكنها ترفض تعميمها على مجتمع بأكمله. فالاعتراف بالمشكلة ليس اتهاماً للمجتمع، بل بداية لمعالجتها، شريطة الاستناد إلى معلومات موثوقة وسياسات عادلة وفعالة.
أخطر ما قد ينجح الإرهاب في تحقيقه بعد سفك الدماء هو زرع الشك بين المواطنين وتحويل الجريمة إلى خصومة داخل المجتمع. لذلك، تقتضي المسؤولية الوطنية ألا نسمح للكلمة بأن تستكمل ما عجزت عنه الرصاصة. فالأردن أكبر من سجالات اللحظة، ووحدته الوطنية ركيزة أمنه واستقراره؛ والبوصلة التي لا يجوز الحياد عنها هي المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، وحماية كل أردني من التمييز والانقسام.

























