علي الطراونة يكتب: لاتقتلوا العلاقه مرتين مره بيد الارهاب ومرة بألسنة من يتاجرون بدماء الابرياء
نبأ الأردن -
ليست كل معركة تُخاض بالسلاح، فبعض المعارك تُخاض بالكلمة، وبعضها أخطر من الرصاص؛ لأنها تستهدف ما بين الشعوب من ثقة ومحبة وتاريخ مشترك. وما شهدناه عقب جريمة كنيسة القديس جاورجيوس في قرية حمود بمحافظة الكرك، وما تلاها من أحداث وتطورات على الجانب السوري، يضعنا أمام امتحان أخلاقي وإنساني وسياسي بالغ الحساسية: هل نترك الألم يقودنا إلى الفتنة، أم نحتكم إلى العقل والعدالة ونحمي جسور الأخوة التي ربطت الشعبين الأردني والسوري عبر عقود طويلة؟
إن الاعتداء الذي استهدف المصلين والمشيعين في كنيسة حمود جريمة مدانة بكل المقاييس، واعتداء على حرمة الإنسان وحقه في الحياة وأمنه في ممارسة شعائره الدينية. وهو، في جوهره، اعتداء على الأردن كله، على وحدته الوطنية، وعلى قيم التعايش التي جمعت أبناءه على اختلاف أديانهم ومشاربهم. وقد أعلنت السلطات الأردنية القبض على من قام بهذا العمل المشين مؤكدة استمرار التحقيقات لكشف جميع ملابسات الجريمة ومحاسبة كل من يثبت تورطه فيها.
لكن الأحداث لم تتوقف عند حدود الجريمة؛ فقد امتدت التطورات إلى مواقع داخل الأراضي السورية، حيث أعلن الأردن استهداف مواقع قال إنها مرتبطة بمسلحين على صلة بالهجوم، فيما تحدثت جهات سورية عن سقوط ضحايا مدنيين، بينهم أطفال، وأُثير خلاف بشأن التنسيق المسبق لهذه العمليات. وهنا تحديدًا تبرز ضرورة التحقيق الدقيق والشفاف، لأن أرواح الأبرياء ليست تفصيلًا عابرًا، ولأن الحقيقة لا تُصان بالإنكار ولا تُستخرج من الشائعات، بل بالأدلة والتحقيق المسؤول.
إن كانت هناك يدٌ إرهابية قد امتدت إلى الأردن، فلا يجوز أن تتحول يد العدالة إلى موضع اتهام جماعي لشعب بأكمله. وإن كان بين الضحايا أطفال أبرياء، فإن دماءهم تستحق الحقيقة والإنصاف، لا الاستغلال السياسي ولا التوظيف في حملات التحريض.
علينا أن نكون واضحين: الإرهاب لا دين له ولا أخلاق، ولا يمثل شعبًا بأكمله، ولا يجوز أن يُحمَّل السوريون جميعًا مسؤولية أفعال أفراد أو جماعات مسلحة، كما لا يجوز أن يُختزل الأردنيون في قرار أو حادثة أو رواية يجري تداولها قبل اكتمال التحقيق.
المجرم يُحاسب بفعله، لا بجنسيته. والإرهابي يُواجه بالقانون والوسائل المشروعة، لا بالكراهية التي تُعمَّم على الأبرياء. ومن يعتدي على دور العبادة أو يستهدف المدنيين إنما يضرب القيم الإنسانية قبل أن يضرب ضحاياه.
لا نريد أن نبرر جريمة باسم جريمة أخرى، ولا أن نبرر استهداف المدنيين باسم محاربة الإرهاب، ولا أن نمنح الإرهابيين فرصة جديدة لتحقيق غايتهم عبر شق الصف بين شعبين لم تكن الحدود يومًا قادرة على محو ما يجمعهما.
من يحاول تصوير العلاقة بين الشعبين الأردني والسوري على أنها علاقة خصومة، أو يريد إقناع الأردني بأن السوري عدو، والسوري بأن الأردني خصم، إنما يتجاهل تاريخًا طويلًا من الروابط الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والعائلية.
الأردني والسوري ليسا شعبين التقيا بالأمس، ولم تجمعهما مجرد مصالح سياسية عابرة. بينهما قرابة ومصاهرة وجيرة وتجارة وذكريات ومواقف إنسانية لا يمكن اختزالها في حدث مهما كان مؤلمًا.
كم من عائلة أردنية لها أقارب في سوريا، وكم من عائلة سورية وجدت في الأردن بيتًا آمنًا حين اشتدت الحرب؟ وكم من علاقات العمل والدراسة والتجارة والجوار بقيت قائمة رغم سنوات الألم والانقسام؟
لقد شهد الأردنيون، خلال سنوات الحرب السورية، مشاهد إنسانية على الحدود، حين احتاج السوريون إلى المساعدة والحماية والرعاية. وشاهد الناس جهودًا أردنية في التعامل مع العائلات التي أنهكتها الحرب، ومع الأطفال وكبار السن الذين دفعوا ثمن صراع لم يختاروه.
هذه المواقف لا تعني أن التاريخ خالٍ من الأخطاء، ولا أنها تعفي أي جهة من المساءلة، لكنها تذكّرنا بحقيقة جوهرية: أن العلاقة بين الشعبين أوسع من حادثة، وأعمق من خلاف، وأقوى من حملات التحريض إذا امتلكنا الحكمة والإرادة لحمايتها.
وهنا يحق لنا أن نسأل: هل من المنطق أن نمحو سنوات من التضامن الإنساني بسبب روايات متضاربة لم يُحسم التحقيق فيها بعد؟ وهل من الإنصاف أن نحاكم شعبًا كاملًا، فيما المسؤولية الجنائية لا تقع إلا على من تثبت مسؤوليته عن فعل محدد؟
إن الوفاء للضحايا لا يكون بإنكار آلام الآخرين، بل بالاعتراف بأن لكل إنسان حقًا في الأمن والحياة والكرامة، سواء كان أردنيًا في الكرك أو سوريًا في درعا أو السويداء.
و في كل أزمة، تظهر حسابات تقتات على الغضب، وتبحث عن أكثر الكلمات قدرة على الاستفزاز، وتقتطع الصور من سياقاتها، وتضخم الأخبار غير المؤكدة، وتدفع الناس إلى إطلاق أحكام جماعية.
وقد تكون بعض هذه الحسابات مدفوعة بأجندات سياسية، وقد يكون بعضها مجرد أصوات غاضبة تنساق وراء الانفعال، وقد يقف وراء بعضها أشخاص يسعون عمدًا إلى تعميق الخلاف. لكن تحديد الجهات المسؤولة عن حملات منظمة يحتاج إلى أدلة، لا إلى التخمين أو الاتهام العشوائي.
المشكلة ليست في أن يسأل الأردني عن حقيقة ما جرى، أو أن يطالب السوري بحماية المدنيين، أو أن ينتقد أي إجراء يراه خاطئًا. هذه حقوق مشروعة. المشكلة تبدأ عندما يتحول السؤال إلى تخوين، والنقد إلى شتيمة، والمطالبة بالعدالة إلى تحريض على شعب بأكمله.
حين يكتب شخص: «كل الأردنيين مسؤولون»، أو يقول آخر: «كل السوريين حاضنة للإرهاب»، فإن كليهما يفتح الباب أمام الكراهية، ويمنح المتطرفين ما يريدون: مجتمعين متخاصمين، وثقة متآكلة، وأصواتًا عاقلة يجري إسكاتها وسط الضجيج.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد جريمة إرهابية هو أن ينجح الإرهابي، حتى بعد سقوطه أو القبض عليه، في تفجير جبهة أخرى بين الناس، جبهة لا تحتاج إلى رصاص، بل إلى منشور مضلل وتعليق حاقد وصورة خارج سياقها.
ولهذا، فإن مسؤوليتنا اليوم أن نميّز بين حرية التعبير والفوضى التحريضية، وبين النقد المسؤول والتشهير، وبين المطالبة بالمحاسبة وإشعال الفتنة. فليس كل من يرفع صوته مدافعًا عن الحقيقة، وليس كل من يكرر رواية غاضبة يمتلك دليلًا عليها.
إن الحديث عن تحقيق أو تنسيق مشترك بين الجانبين الأردني والسوري، وفق ما أعلنته الجهات المعنية، يمثل فرصة مهمة للتعامل مع هذه الأحداث بمسؤولية، شريطة أن يقود إلى توضيح الوقائع، لا إلى تبادل الاتهامات أو الاكتفاء بالبيانات العامة.
نحن بحاجة إلى تحقيق مهني يجيب عن أسئلة أساسية: ما طبيعة الصلات التي ربطت منفذي هجوم الكنيسة بأي أفراد أو جماعات داخل سوريا؟ وما الأدلة التي استندت إليها العمليات التي استهدفت مواقع هناك؟ وما حقيقة التقارير المتعلقة بسقوط مدنيين وأطفال؟ وهل جرى التنسيق بين الجهات المختصة، وما حدود هذا التنسيق؟ وما الإجراءات التي تضمن عدم تكرار مثل هذه الأحداث وحماية المدنيين؟
هذه أسئلة مشروعة، والإجابة عنها لا تنتقص من سيادة الأردن، ولا من كرامة سوريا، ولا من حق البلدين في حماية أمنهما. بل إن الشفافية والتعاون المسؤول يعززان الثقة، ويحولان دون أن تملأ الشائعات الفراغ الذي تتركه المعلومات الناقصة.
ولا ينبغي أن يُفهم طلب التحقق من الأضرار المدنية على أنه تبرير للإرهاب، كما لا ينبغي أن يُفهم رفض الإرهاب على أنه تفويض بإسكات الأسئلة المشروعة.
الدول القوية لا تخشى الحقيقة، والشعوب الواثقة من نفسها لا تحتاج إلى الكراهية كي تدافع عن كرامتها. وما نريده من التحقيقات ليس انتصار رواية على أخرى، بل الوصول إلى الوقائع، وتحديد المسؤوليات، وصون الحقوق، ومنع تكرار المأساة.
إن المسؤولية الأردنية في هذه اللحظة لا تقتصر على الموقف الرسمي، بل تشمل الإعلاميين والكتّاب والناشطين والمواطنين جميعًا. فالكلمة قد تخفف الاحتقان، وقد تضاعفه، والمنشور قد يسهم في حماية المجتمع، وقد يصبح شرارة لخصومة لا يحتاج إليها أحد.
وأول ما يجب فعله هو التمسك بموقف وطني واضح: لا تساهل مع الإرهاب، ولا قبول باستهداف المدنيين، ولا تعميم للاتهام على السوريين، ولا تهاون مع أي اعتداء يثبت وقوعه على الأبرياء.
وثانيًا، يجب أن نمنح التحقيقات الوقت اللازم لكشف الحقيقة، وأن نرفض نشر الأرقام والصور والادعاءات مجهولة المصدر، خصوصًا عندما تتعلق بضحايا مدنيين أو باتهامات خطيرة. فالتسرع في إصدار الأحكام قد يظلم الأبرياء ويعقّد الوصول إلى الحقيقة.
وثالثًا، على الإعلام الأردني أن يلتزم الدقة واللغة المسؤولة، وأن يفرق بين الخبر والتحليل والرأي، وألا يحول الخلاف السياسي أو الأمني إلى خصومة شعبية. فالإعلام المهني لا يخفي الوقائع، لكنه لا يختلقها أيضًا، ولا يسمح للعاطفة بأن تحل محل الدليل.
ورابعًا، يجب أن نواجه خطاب الكراهية على منصات التواصل، لا بخطاب كراهية مضاد، بل بالحقائق والتصحيح والحوار. ومن واجب كل مستخدم أن يسأل نفسه قبل مشاركة أي منشور: هل هذا الخبر موثوق؟ وهل يؤدي نشره إلى توضيح الحقيقة أم إلى إشعال الغضب؟ وهل أقبل أن يُحكم عليّ وعلى عائلتي وشعبي بناءً على رواية لم يتم التحقق منها؟
وخامسًا، ينبغي أن تبقى القنوات الرسمية والمدنية بين البلدين مفتوحة، وأن تُستثمر العلاقات الاجتماعية والعشائرية والثقافية والإنسانية في تهدئة النفوس، لا في تأجيجها. فالعلاقات بين الشعوب لا تحميها التصريحات وحدها، بل تحميها أيضًا المبادرات التي تقرّب الناس وتمنع انتقال الخلافات السياسية إلى البيوت والشوارع.
وأخيرًا، علينا أن نتذكر أن قوة الأردن لا تكمن في صلابة حدوده وأجهزته الأمنية فحسب، بل في وعي مواطنيه، وفي قدرتهم على التمييز بين العدو الحقيقي والجار الذي لا ينبغي أن يتحول إلى عدو بفعل الشائعات.
و إلى أهلنا في سوريا، نقول لا تجعلوا الغضب حكما على الاردن ، إن ألمكم مفهوم، وإن القلق على المدنيين والأطفال حق مشروع، وإن المطالبة بمعرفة الحقيقة ومحاسبة المسؤولين، إن ثبتت مسؤوليتهم، ليست موقفًا معاديًا للأردن.
لكننا نرجو ألا تتحول الأسئلة المشروعة إلى أحكام مسبقة على الشعب الأردني، وألا تُختزل مواقف الأردنيين جميعًا في حادثة أو قرار أو رواية لم تتضح جميع تفاصيلها.
الأردني الذي وقف مع السوريين في سنوات الحرب، والذي استقبلهم جيرانًا وأصدقاء وأفرادًا من عائلات ممتدة، لا ينبغي أن يُصنَّف عدوًا بسبب جنسيته. كما أن السوري الذي يحب الأردن ويحترم شعبه ليس مسؤولًا عن أفعال أي جماعة مسلحة تنشط داخل بلاده.
فلنطالب معًا بحماية المدنيين، وبكشف الحقيقة، وبمحاسبة من تثبت مسؤوليته، ولنرفض في الوقت نفسه كل خطاب يريد أن يحول خلافًا أمنيًا إلى قطيعة بين شعبين.
وإلى أهلنا في الأردن، نقول أن قوة الموقف في عدالته ، إن الدفاع عن الوطن لا يتطلب الإساءة إلى السوريين، وإن الاعتزاز بالأجهزة الأمنية والقوات المسلحة لا يتعارض مع الحرص على حماية المدنيين والتحقق من أي تقارير عن سقوط ضحايا أبرياء.
من حق الأردني أن يغضب على ضحايا كنيسة حمود، وأن يطالب بمحاسبة مرتكبي الجريمة وكل من يثبت تورطه فيها. ومن حقه أن يطالب بحماية الحدود والأمن الوطني. لكن من واجبنا أيضًا ألا نسمح للغضب بأن يتحول إلى موقف عدائي من شعب شقيق.
إن الموقف الواثق لا يحتاج إلى شتم الآخرين، والمواطنة الصادقة لا تُقاس بكمية الكراهية التي نوزعها على الناس. بل تُقاس بقدرتنا على حماية وطننا، والتمسك بالقانون، والوقوف مع الحقيقة حتى عندما تكون مؤلمة.
فلنكن أقوياء في رفض الإرهاب، وأقوياء في حماية وحدتنا الوطنية، وأقوياء كذلك في رفض الظلم والتحريض والتعميم.
وفي النهاية اقول إن ما حدث في حمود وما أعقبه من تطورات مؤلمة يفرض علينا جميعًا أن نعيد ترتيب أولوياتنا، العدالة أولًا، وحماية المدنيين واجب، والحقيقة ضرورة، والعلاقة بين الشعبين الأردني والسوري مسؤولية لا يجوز التفريط بها.
لقد أراد الإرهاب، في جوهره، أن يزرع الخوف ويضرب الثقة ويهدد أمن المجتمع. فلا يجوز أن نمنحه انتصارًا إضافيًا بأن نفتح بين الأردنيين والسوريين معركة من الشتائم والاتهامات والعداء المتبادل.
لا نطلب من السوري أن يتخلى عن حقه في معرفة مصير المدنيين، ولا من الأردني أن يتنازل عن حقه في الأمن والعدالة. نطلب من الطرفين أن يدافعا عن هذه الحقوق بعقل ومسؤولية، وأن يرفضا تحويلها إلى أدوات للفتنة.
فلتكن التحقيقات طريقًا إلى الحقيقة، لا ذريعة للمزايدة. وليكن الإعلام جسرًا للفهم، لا منصة للتحريض. ولتكن مواقع التواصل مساحة لتبادل المعلومات، لا ساحة لمحاكمة الشعوب.
الأردن ليس عدوًا لسوريا، وسوريا ليست عدوًا للأردن. العدو الحقيقي هو الإرهاب الذي يستبيح الدماء، والتطرف الذي يرفض الإنسان، والفتنة التي تحول الأخ إلى خصم، والشائعة التي تهدم في ساعات ما بناه التاريخ في عقود.
إننا لا نختار جيراننا، لكننا نستطيع أن نختار كيف نعاملهم. وقد اختار التاريخ أن يجمع الأردنيين والسوريين بالجوار والقرابة والمصالح والذكريات. فلا تجعلوا لحظة غضب تمحو كل ذلك.
رحم الله ضحايا كنيسة حمود، وحفظ الأبرياء في الأردن وسوريا، وكشف الحقيقة كاملة، وأنصف كل مظلوم، وحمى الشعبين من الإرهاب والفتنة والكراهية.
فلا تقتلوا العلاقة مرتين، مرةً بيد الإرهاب، ومرةً بألسنة الذين يتاجرون بدماء الابرياء

























