د فرح زعاترة تكتب : حرب التضليل الرقمي تختبر التقارب الأردني السوري
نبأ الأردن -
ليست أخطر الحملات الرقمية التي ترفع صوتها، بل تلك التي تختار لحظة أزمة سياسية حساسة، وتعرف أي رمز تمسه لتدفع الناس إلى خصام يعصف بالثقة بين الشعبين، وفي الحالة الأردنية السورية، جاءت هذه اللحظة بينما كانت العلاقة بين عمان ودمشق تدخل مسارا جديدا بعد عقود من التوتر والحذر؛ إذ ظهرت مؤشرات رسمية على استئناف التعاون وتوسيعه وصولا إلى التوجه نحو شراكة استراتيجية، غير أن هذا التقارب واجه اختبارا مبكرا مع هجوم الكرك الإرهابي، ثم العملية العسكرية الأردنية في جنوب سوريا وما أعقبها من سجال على المنصات الرقمية.
وقد اكتسب هذا السجال حدته من حيث التوقيت وطبيعة الرسائل التي غذته؛ فالأردنيون كانوا لا يزالون تحت صدمة فاجعة حمود، مطالبين بملاحقة الإرهابيين وإنزال القصاص العادل بهم وفاء للشهداء، وفي هذا السياق نفذ سلاح الجو الملكي الأردني ضرباته على مواقع لتنظيم داعش في الجنوب السوري، استنادا إلى معلومات ميدانية أكدت ارتباط منفذي الهجوم بالتنظيمات المستهدفة، ووجود تهديدات مؤكدة وعمليات إرهابية وشيكة تستهدف أمن المملكة، وفي هذا المناخ ظهرت حسابات تقدم نفسها بصفة سورية وتتهم الجيش الأردني باستهداف الأبرياء والأطفال، فانتقل النقاش من تفاصيل العملية إلى الطعن في عقيدة مؤسسة تمثل رمزا وطنيا لدى الأردنيين، واستدعى هذا الخطاب ردودا من مستخدمين أردنيين حقيقيين دافعوا عن جيشهم، فأسهم تداول الاتهامات والردود معا في توسيع السجال، وجاء ذلك فيما كانت العلاقة الأردنية السورية تفتح، بعد سنوات من التوتر، نافذة جديدة لاستئناف التعاون وبناء الثقة وتوسيع التنسيق المؤسسي، في منطقة يتقاطع فيها أمن الحدود مع مصالح المياه والنفوذ الإقليمي، ما يجعل هذا التصعيد مؤثرا في المناخ الشعبي الذي يحتاج إليه هذا المسار.
ولا يقف أثر هذه الحملات عند توسيع السجال بين شعبين تعايشا لسنوات طويلة ونجحا اجتماعيا في هذا التعايش، بل يمتد إلى صناعة صورة مضللة عن الرأي العام في البلدين؛ إذ تستثمر المخاوف الأردنية من التهديدات العابرة للحدود، وفي المقابل تصور الأردن للسوريين كأنه يهدد سيادة بلادهم وأرضهم، فتغذي الخوف من التقارب معه، ويزداد هذا التأطير دلالة مع إعلان الطرفين التوجه نحو شراكة إستراتيجية وتعزيز التعاون، ومع إعلان عمان أن عملية الردع الأردني حمود نفذت بالتنسيق مع الحكومة السورية، ومع ذلك، تدفع الحملة نحو صورة توحي بأن السوريين يرفضون التقارب، وأن الأردنيين يرفضون توسيعه، وكأن مسار استعادة العلاقات على مستوى الحكومتين والقيادتين يجري بمسار مختلف عن إرادة الشعبين.
ولإحباط هذا الرهان وتهدئة السجال بين المستخدمين الحقيقيين، جاء البيان المشترك الأردني السوري ليؤكد ترابط أمن البلدين، ويجمع بين مواجهة الإرهاب واحترام السيادة السورية وحماية المدنيين، مع الإعراب عن الأسف لسقوط ضحايا والاتفاق على تشكيل لجنة أمنية مشتركة للتحقيق في ملابسات العمليات الأخيرة وتطوير التنسيق، بما يعيد توجيه المخاوف المتبادلة نحو معالجة مؤسسية مشتركة، وتكتسب هذه المعالجة أهميتها من أن استمرار نشاط التنظيمات الإرهابية وقدرتها على التخطيط والتنفيذ يعرض المدنيين للخطر على جانبي الحدود، وقد فقد الأردن تسعة من أبنائه شهداء في فاجعة حمود، ما يجعل مكافحة هذه التنظيمات وتجفيف مصادر دعمها وإحكام السيطرة على تحركاتها مسؤولية أمنية مشتركة لحماية الشعبين.
وبالتوازي، حذر الأمن العام الأردني من حسابات وهمية تدار من خارج المملكة وتبث الإساءة والكراهية لاستدراج الآخرين إلى توسيع دائرتها، وبذلك، عالجت الاستجابة الرسمية ما حاولت الحملة استغلاله؛ مخاوف أمنية تتطلب تعاونا بين الدولتين، وغضبا شعبيا تحاول حسابات مشبوهة تحويله إلى عداء بين الشعبين، ويبقى إحباط الحملة مرهونا بألا يمنحها المستخدمون الحقيقيون ما تحتاج إليه لتنجح؛ أن تتحول أصواتهم إلى امتداد لرسائلها، وأن يصبح الدفاع عن الوطن خصومة مع شعب شقيق.

























