أمجد الفاهوم يكتب: المبادرة الوطنية للبيانات ومستقبل الأردن الرقمي
نبأ الأردن -
يمثل توجيه سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، بإطلاق مبادرة وطنية للبيانات الرقمية، خلال ترؤسه اجتماع المجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل، خطوة استراتيجية في مسيرة التحديث الاقتصادي والتكنولوجي للأردن، تؤسس لمرحلة تصبح فيها البيانات موردًا وطنيًا منتجًا، يسهم في تحسين القرارات، ورفع كفاءة المؤسسات، وتطوير الخدمات، واستحداث فرص اقتصادية واستثمارية قائمة على المعرفة والذكاء الاصطناعي.
وتنبع أهمية المبادرة من تركيزها على خمسة متطلبات مترابطة، تشمل جمع البيانات، وضمان جودتها، والتحقق من دقتها، وتيسير انسيابها، وتعزيز الاستخدام المسؤول لها. فهذه المتطلبات تشكل البنية الأساسية للاقتصاد الرقمي، إذ لا يمكن بناء تطبيقات ذكاء اصطناعي موثوقة اعتمادًا على بيانات ناقصة أو متكررة أو غير محدثة، مهما بلغت كفاءة الخوارزميات المستخدمة.
وتؤكد التجارب العالمية أن التحول الرقمي الناجح يبدأ بحوكمة البيانات وتكاملها المؤسسي. فقد طورت إستونيا منظومة (X-Road) التي تتيح التبادل الآمن للمعلومات بين المؤسسات دون الحاجة إلى تجميعها في قاعدة مركزية واحدة، وتدعم مبدأ تقديم البيانات مرة واحدة بدل مطالبة المواطن بتكرارها. وفي سنغافورة، أسهم نظام (Myinfo) في تبسيط الإجراءات من خلال إتاحة مشاركة البيانات الموثقة بصورة آمنة، مما خفض زمن إنجاز بعض الطلبات بنسبة وصلت إلى 80%. أما الاتحاد الأوروبي، فقد اعتمد قانون حوكمة البيانات لتسهيل تبادلها وإعادة استخدامها ضمن ضوابط تحمي الخصوصية وتدعم الابتكار.
وتقدم هذه التجارب دروسًا عملية للأردن، أبرزها ضرورة الانتقال من قواعد البيانات المؤسسية المتفرقة إلى منظومة وطنية مترابطة، تعتمد معايير موحدة لجمع البيانات وتصنيفها وتحديثها، وتحدد مسؤوليات الجهات المالكة لها وصلاحيات الوصول إليها. ويمكن تحقيق ذلك من خلال تطوير بنية وطنية للتشغيل البيني، تتيح تبادل المعلومات المصرح بها إلكترونيًا، وتحد من الازدواجية والهدر، وتختصر الوقت والجهد على المواطنين والمؤسسات.
وتبرز جودة البيانات ودقتها بوصفهما شرطين حاسمين لنجاح المبادرة، لأن القرارات المبنية على معلومات غير دقيقة قد تؤدي إلى نتائج اقتصادية وخدمية مضللة. ولذلك، ينبغي اعتماد معايير وطنية لقياس اكتمال البيانات واتساقها وحداثتها ودقتها، وإخضاعها للتدقيق الدوري، مع توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في اكتشاف الأخطاء والتكرار والتناقضات، دون الاستغناء عن التحقق المؤسسي من النتائج.
أما الاستخدام المسؤول للبيانات، فيتطلب تطبيقًا فاعلًا لقانون حماية البيانات الشخصية الأردني، وتعزيز الأمن السيبراني، وتحديد صلاحيات الوصول وآليات المساءلة، وضمان الشفافية والعدالة في التطبيقات الخوارزمية، خصوصًا تلك المؤثرة في حقوق الأفراد وفرصهم. فثقة المواطن في حماية بياناته شرط أساسي لنجاح أي تحول رقمي مستدام.
وعلى المستوى التطبيقي، تتيح المبادرة فرصًا واسعة لمعالجة تحديات وطنية ملحة. ففي قطاع المياه، يمكن تحليل بيانات الاستهلاك والشبكات للتنبؤ بالتسربات وتقليل الفاقد. وفي الطاقة، تساعد البيانات الذكية على إدارة الأحمال وترشيد الاستهلاك. وفي الصحة، يسهم التكامل الآمن للسجلات الطبية في تحسين الرعاية وتقليل الفحوصات المكررة. أما في التعليم والتشغيل، فيمكن ربط بيانات الخريجين والمهارات والوظائف لتطوير البرامج التعليمية والتقنية بما يستجيب لاحتياجات سوق العمل. وفي الزراعة، يمكن توظيف بيانات المناخ والتربة والري لتحسين الإنتاجية وكفاءة استخدام المياه.
ولتحويل المبادرة إلى نتائج ملموسة، أقترح برنامجًا وطنيًا تنفيذيًا يمتد لثلاث سنوات، يبدأ بحصر قواعد البيانات وتقييم جاهزيتها، ثم توحيد معاييرها وتطوير آليات تبادلها، وصولًا إلى تنفيذ تطبيقات قطاعية ذات أثر اقتصادي واجتماعي مباشر. ويمكن اعتماد مؤشرات أداء طموحة، بعد تحديد خط الأساس، تستهدف رفع اكتمال البيانات الأساسية إلى 95% ودقتها إلى 98%، وخفض السجلات المكررة إلى أقل من 2%، وربط 90% من المؤسسات الحكومية ذات الأولوية بمنظومة تبادل آمنة، وتقليص زمن إنجاز الخدمات المستهدفة بنسبة 40%، وخفض طلب الوثائق المتوافرة لدى جهات حكومية أخرى بنسبة 70%. كما يمكن استهداف إتاحة 200 مجموعة بيانات مفتوحة قابلة لإعادة الاستخدام، وتنفيذ 30 مشروعًا تطبيقيًا في البيانات والذكاء الاصطناعي، وتأهيل 3000 متخصص خلال المدة المقترحة. وتبقى هذه الأرقام مستهدفات استرشادية قابلة للمراجعة وفق الإمكانات والموارد والنتائج الأولية.
وتتحمل الجامعات ومؤسسات التعليم التقني مسؤولية محورية في إنجاح هذه الرؤية، من خلال تطوير برامج هندسة البيانات وتحليلها والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، وإنشاء مختبرات تطبيقية مشتركة مع القطاعين العام والخاص، وتوجيه البحث العلمي ومشروعات الطلبة نحو تحديات وطنية حقيقية. كما ينبغي تمكين الشركات الأردنية الناشئة من الاستفادة المنظمة من البيانات المفتوحة، وتحفيزها على تطوير حلول محلية قابلة للتوسع والتصدير.
إن توجيهات سمو ولي العهد تضع الأردن أمام فرصة حقيقية للانتقال من رقمنة الإجراءات إلى بناء اقتصاد ينتج المعرفة ويستثمرها. ويتطلب نجاح هذه الخطوة حوكمة واضحة، وتنسيقًا مؤسسيًا فاعلًا، واستثمارًا مستدامًا في المهارات والبنية التحتية، ومؤشرات تقيس الأثر الفعلي على الإنتاجية والاستثمار وجودة الحياة.
فالمستقبل الرقمي للأردن لن تحدده كمية البيانات التي يمتلكها، بل قدرته على إدارتها بدقة ومسؤولية، وتحويلها إلى معرفة وقرارات وفرص عمل وقيمة اقتصادية يشعر المواطن بأثرها، وتنعكس على تنافسية الوطن واستدامة تنميته.

























