د. عبدالله محمد القضاة يكتب: المحافظ قائدٌ للتنمية: من التنسيق الإداري إلى صناعة النتائج
نبأ الأردن -
لم يعد نجاح الإدارة العامة يُقاس بقدرتها على تسيير المعاملات وعقد الاجتماعات وإعداد الخطط، بل بما تتركه من أثر في حياة المواطنين، وما تنجحه في تحفيز الاقتصاد المحلي، وتوليد فرص العمل، وتحسين الخدمات، وحسن توظيف الموارد. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف الدور التنموي للمحافظ، بحيث ينتقل من حاكم إداري ينسق أعمال الأجهزة الحكومية إلى قائد يقود تنمية متكاملة في محافظته.
فالمحافظ هو الأقرب إلى واقع المحافظة واحتياجاتها وتحدياتها، والأقدر على رؤية الصلات بين قطاعاتها المختلفة. غير أن القرب من الميدان لا يصنع التنمية وحده؛ إذ تحتاج القيادة الفاعلة إلى صلاحيات واضحة، وموارد قابلة للتوظيف، وبيانات موثوقة، وأدوات للمساءلة وقياس النتائج. وهنا يطرح الواقع سؤالاً لا يمكن تجاهله: كيف يُطلب من المحافظ قيادة التنمية، فيما ترتبط المديريات التنفيذية بوزاراتها المركزية، وتبقى قرارات أساسية تتعلق بالأولويات والموارد والمشروعات خارج نطاق سلطته الفعلية؟
ليست تبعية المديريات لوزاراتها مشكلة في ذاتها؛ فهي ضرورية للحفاظ على وحدة السياسات الوطنية والمعايير الفنية والتخصصية. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه التبعية إلى عائق أمام التنسيق المحلي، أو حين تغيب الآليات الملزمة لمساءلة المديريات عن إسهامها في تنفيذ أولويات المحافظة. لذلك لا يكمن الحل في إنشاء سلطة موازية للوزارات أو نقل جميع الصلاحيات المركزية إلى المحافظ، بل في إعادة تنظيم العلاقة بين المركز والمحافظة على أساس التكامل، وتوزيع المسؤوليات، وربطها بالمساءلة عن النتائج.
ويبدأ ذلك بأن تمتلك كل محافظة خطة تنموية متكاملة ومتعددة السنوات، تُعد بمشاركة المجلس التنفيذي ومجلس المحافظة والبلديات والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المحلي، وتستند إلى تحليل واقعي لمزاياها النسبية واحتياجاتها وفرصها الاستثمارية. وينبغي ألا تكون الخطة وثيقة إضافية تحفظ في الأدراج، بل إطاراً ملزماً لتنسيق البرامج والمشروعات الحكومية، وترتيب أولوياتها، وربطها بالموازنات والموارد، وتحديد المسؤوليات التنفيذية بوضوح.
ولا تكفي رئاسة المحافظ للمجلس التنفيذي لضمان تنفيذ القرارات وتحقيق الأهداف. فالمطلوب تشريعات تمنحه صلاحيات صريحة لطلب البيانات، ومساءلة مديري المديريات عن التزاماتهم التنموية، وطلب خطط تصحيحية عند التعثر، ورفع حالات عدم الالتزام إلى الوزير المختص أو المرجعية الحكومية المحددة قانوناً. كما ينبغي أن يرتبط جانب واضح من تقييم أداء المديرين بمدى إنجاز الالتزامات المتفق عليها في خطة المحافظة، بالتنسيق مع وزاراتهم، من دون المساس بالاختصاصات الفنية والوظيفية. فالمساءلة هنا ليست تدخلاً في صلاحيات الوزير، بل ضمانة لأن تكون الأولويات المحلية جزءاً أصيلاً من أداء الجهاز الحكومي، لا مجرد موضوع للنقاش في الاجتماعات.
ومن مقتضيات التحديث الإداري نقل القرار إلى المستوى الأقرب للمواطن، عبر تحديد القرارات التي يمكن اتخاذها في المحافظة، وتفويض المحافظ ومديري المديريات بصلاحيات مناسبة ضمن ضوابط مالية وقانونية واضحة. أما القرارات التي تحتاج إلى موافقات مركزية، فينبغي تحديد مدد زمنية للبت فيها، وإنشاء آلية حكومية لحسم التعارض بين الجهات وتسريع المشروعات المتعثرة. فاللامركزية الفاعلة لا تعني تفكيك الدولة أو إضعاف الوزارات، وإنما تعني توزيعاً رشيداً للصلاحيات يجعل المركز معنياً بالسياسات والمعايير والرقابة، ويمنح المستوى المحلي القدرة على التنفيذ والاستجابة لحاجات الناس.
كذلك لا ينبغي أن ينحصر دور المحافظ في متابعة الخدمات والمشروعات الحكومية، بل يجب أن يمتد إلى قيادة التنمية الاقتصادية من خلال إعداد ملف استثماري للمحافظة، يحدد فرصها في الزراعة والصناعة والسياحة والخدمات والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وينسق الجهود لإزالة العوائق أمام استثمارها. ويمكن دعم ذلك بإنشاء نافذة تمويل تنافسية للمشروعات االتنموية المحلية، وفق معايير معلنة تقيس فرص العمل والإنتاجية والاستدامة والأثر الاجتماعي، مع مراعاة الفوارق بين المحافظات وضمان النزاهة والرقابة على الإنفاق.
وتحتاج إدارة التنمية إلى منظومة موحدة لمؤشرات الأداء، تقيس ما تحقق فعلياً لا ما أُنجز من إجراءات فقط؛ مثل فرص العمل المستدامة، ونسب إنجاز المشروعات في مواعيدها، والاستثمارات المنفذة، وتحسن الخدمات، وكفاءة الإنفاق، ورضا المواطنين. وينبغي نشر تقارير أداء دورية، وتوظيف البيانات في تحديد مكامن الخلل، وتبادل الخبرات بين المحافظات، وتوجيه الموارد إلى الأولويات الأكثر أثراً.
إن تطوير دور المحافظ يجب أن يكون جزءاً من مشروع متكامل لتحديث الإدارة العامة الأردنية، يبدأ بتحديد الفجوات التشريعية والتنظيمية، ويمكن اختباره في عدد من المحافظات قبل تعميمه، على أن يستند التوسع إلى تقييم مستقل للنتائج. فالأردن، وهو يمضي في مسارات التحديث السياسي والاقتصادي والإداري، يحتاج إلى إدارة محلية قادرة على تحويل الخطط الوطنية إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنين، ولن يتحقق ذلك بمجرد توسيع الصلاحيات، بل ببناء مؤسسات واضحة الأدوار، مترابطة الأهداف، وخاضعة للمساءلة.
والقاعدة التي ينبغي أن تحكم هذا التحول بسيطة وحاسمة: لا مسؤولية عن النتائج من دون صلاحيات مناسبة، ولا صلاحيات من دون مساءلة، ولا تنمية مستدامة من دون موارد وبيانات وقيادة قادرة على تحويل الإمكانات إلى إنجاز. فتمكين المحافظ من قيادة التنمية ليس نقلاً للصلاحيات من جهة إلى أخرى، بقدر ما هو إعادة بناء للعلاقة بين الحكومة المركزية والإدارة المحلية؛ علاقة تجعل المحافظة شريكاً فاعلاً في التنمية الوطنية، وتجعل المواطن الحكم الحقيقي على نجاح الإدارة العامة أو إخفاقها.
* أمين عام وزارة تطوير القطاع العام/ مدير عام معهد الإدارة العامة سابقا.

























