د. مهدي مبارك عبد الله يكتب: انتصار لولا دا سيلفا يتجاوز حدود البرازيل ويربك حسابات ترامب ويحبط تطلعات نتنياهو
نبأ الأردن -
لم يكن فوز الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا بولاية رئاسية رابعة غير متتالية مجرد عودة انتخابية لرئيس مخضرم بل جاء في لحظة تتصارع فيها مشاريع سياسية متناقضة على مستقبل أمريكا اللاتينية وموقعها في النظام الدولي حيث حصل لولا على 51.79 بالمئة من الأصوات الصحيحة مقابل 48.21 بالمئة لمنافسه فلافيو بولسونارو نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو متقدما عليه بنحو 4.4 مليون صوت والدلالة الأهم في الفوز تكمن بأن البرازيل رفضت تسليم مستقبلها السياسي لتيار يرتبط ارتباطا وثيقا باليمين الأمريكي في وقت كانت فيه واشنطن تسعى إلى توسيع نفوذها الإقليمي في المنطقة عبر الضغط الاقتصادي وبناء تحالفات سياسية متجانسة تعمل لمصالحها .
سقوط فلافيو بولسونارو يمثل بالنسبة إلى لترامب إخفاقا في معركة النفوذ أكثر مما هي خسارة حليف انتخابي محتمل خاصة وان البرازيل ليست دولة صغيرة يمكن إخضاعها بسهولة عبر التهديد التجاري في وقت تحتل أكبر اقتصاد في أمريكا اللاتينية وصاحبة ثقل زراعي وصناعي ومعدني ودبلوماسي يمنحها قدرة على مقاومة الضغوط رغم ان واشنطن فرضت رسوما جمركية مرتفعة على عدة منتجات برازيلية في سياق خلافها مع حكومة لولا بشأن محاكمة جايير بولسونارو وإدانته في قضية محاولة تقويض النظام الديمقراطي لكن هذه السياسة الاستعمارية لم تضمن النتيجة التي أرادها أنصار التقارب مع ترامب بل جعلت السيادة الوطنية قضية مركزية في المعركة الانتخابية حيث أتاحت للولا تقديم نفسه باعتباره المدافع المخلص عن استقلال القرار الوطني البرازيلي .
المفارقة اللافتة التي تظهر هنا وينبغي لواشنطن أن تتوقف عندها هي أن الضغط الخارجي لا يتحول تلقائيا إلى نفوذ سياسي بل قد يأتي بنتيجة معاكسة خصوصا عندما يشعر الناخبون بأن بلادهم مستهدفة أو أن قرارها الوطني موضع مساومة ومحاولة استلاب وعمليا قد يستطيع ترامب استخدام السوق الأمريكية والرسوم الجمركية بوصفها أدوات ضغط لكنه لا يمكنه بتاتا ضمان خضوع الناخب البرازيلي لهذه الأدوات بالطريقة التي تخدم حلفاءه ومع ذلك فإن النتيجة لا تعني نهاية النفوذ الأمريكي ولا انتقال البرازيل إلى مواجهة مفتوحة مع واشنطن بل تظهر أن لولا حصل على موقف شعبي جديد للتفاوض من موقع أكثر استقلالا رغم أن العلاقة بين البلدين ستظل محكومة بتوازن دقيق بين المصالح الاقتصادية والخلافات السياسية.
على الضفة الاخرى العزاء لنتنياهو حيث تعثرت آماله في وصول حليف أقرب إلى توجهاته لرئاسة البرازي بعدما خسر فرصة سياسية كان يمكن أن تمنح إسرائيل شريكا أكثر انسجاما مع توجهاتها في واحدة من أهم دول الجنوب العالمي حين أبدى فلافيو بولسونارو تقاربا كبيرا مع اليمين الإسرائيلي ورغبة جامحة في تطوير التعاون والعلاقات بين البلدين بينما اتخذ لولا مواقف شديدة الانتقاد والرفض للحرب على غزة ووصف ما يجري بأنه إبادة جماعية كما دافع بقوة عن الحقوق الوطنية الفلسطينية والحقيقة ان أهمية هذا التباين لا تقتصر على التصريحات والبيانات بل تمتد إلى معركة الشرعية الدولية التي تخوضها إسرائيل في ظل تصاعد الاعتراضات على سياساتها سيما وان البرازيل تملك وزنا دبلوماسيا واقتصاديا ثقيلا داخل مجموعة بريكس وفي المحافل الدولية وهو ما يجعل موقفها مؤثرا في توسيع مساحة الاعتراض على الاحتلال والحرب حتى إن لم تكن قادرة وحدها على فرض تغيير في السياسة العدوانية الإسرائيلية .
عمليا من الخطأ الكبير اختزال الانتخابات البرازيلية في مواجهة شخصية بين لولا ونتنياهو أو اعتبار خسارة مرشح يميني انتصارا مباشرا لفلسطين دون ان يكتسب الموقف البرازيلي وزنا حقيقيا ويتحول إلى تحرك دبلوماسي وقانوني منظم وضغط دولي من أجل وقف الحرب المستمرة على غزة وإنهاء الاحتلال واحترام حقوق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية لان إسرائيل ستواصل البحث عن حلفاء جدد واستخدام علاقاتها الدولية لتخفيف عزلتها ولذلك فإن الرهان الفلسطيني المستقبلي لا ينبغي أن يتوقف عند نتيجة انتخابية مهما كانت دلالاتها دون الاخذ بعين الاعتبار قدرة الدول المؤيدة للحقوق الفلسطينية على تنسيق مواقفها وتحويلها إلى خطوات فعلية قابلة للتقييم والقياس .
الرسالة البرازيلية في الالتفاف حول لولا تتجاوز حدود واشنطن وتل أبيب إلى طبيعة النظام العالمي الذي يتشكل بيننا اليوم فلولا يسعى حقيقة إلى تعزيز علاقات بلاده مع الصين وروسيا ودول الجنوب العالمي وتوسيع دور مجموعة بريكس في عالم لم تعد فيه القوة الاقتصادية والسياسية حكرا على الغرب لكن ذلك لا يعني أن البرازيل اختارت معسكرا بديلا بصورة نهائية أو أنها قادرة على الاستغناء عن السوق الأمريكية خاصة وان إن استراتيجيتها العامة تقوم على تنويع الشراكات ومنع أي قوة من احتكار خياراتها وهذه هي المسألة الجوهرية في صراع النفوذ المعاصر حيث لم تعد الدول المتوسطة والكبيرة مضطرة إلى القبول بمعادلة الولاء الكامل مقابل الحماية أو الامتيازات الاقتصادية بل اصبحت تستطيع توسيع هامش حركتها كلما امتلكت قاعدة إنتاجية وأسواقا بديلة وعلاقات دولية واسعة ومتوازنة .
الاحتفالات الشعبية الكبيرة بفوز لولا لا ينبغي أن تحجب الرؤية الحقيقة لواقع الانقسام العميق داخل البرازيل خاصة وان منافسه حصل على نحو 48 بالمئة من الأصوات وهو ما يكشف أن اليمين لم يهزم اجتماعيا وأن جزءا كبيرا من الناخبين ما زال يتبنى خطابه بشأن الأمن والفساد والهوية الاقتصادية كما أن لولا سوف يواجه برلمانا أكثر محافظة يملك القدرة على تعطيل تشريعاته والضغط على خياراته المالية كما يضاف إلى ذلك التحديات المعيشة الصعبة والدين العام المرتفع والاستثمار والنمو الاقتصادي البطئ وهي ملفات ستحدد مدى قدرة الرئيس على تحويل انتصاره السياسي إلى نتائج ملموسة على الارض وأما من ناحية رفض فلافيو بولسونارو قبول النتيجة والمطالبة بإلغائها فهذا يضع احترام المؤسسات الدستورية أمام اختبار جديد ويجعل حماية الاستقرار الديمقراطي جزءا أساسيا من معركة المرحلة المقبلة.
لعل القيمة الحقيقية لهذا الفوز انه لا تقاس بعدد الأصوات وحدها ولا بحجم الإحراج الذي أصاب خصوم لولا بل بما ستفعله حكومته بالفرصة التي منحتها اياها صناديق الاقتراع فإذا نجح في حماية استقلال القرار البرازيلي وتحسين الأوضاع الاجتماعية وتعزيز موقع بلاده في النظام الدولي فقد يرسخ نموذجا لدولة وطنية ترفض التبعية من دون أن تستبدل تبعية بأخرى وإذا بقيت الوعود أسيرة الاستقطاب الداخلي والقيود الاقتصادية فإن أثر هذا الانتصار خارج البرازيل سيظل محدودا وان أوقفت النتيجة مسارا معاكسا كان يمكن أن يعزز نفوذ ترامب ويمنح نتنياهو شريكا أكثر قربا الا ان المعركة الأوسع لم تحسم بعد فيما هل يستطيع لولا تحويل ولايته الجديدة إلى مشروع سيادي واجتماعي وتنموي ودولي متماسك أم أن ضغوط الداخل والخارج التي ستواجهه ستجعل الحفاظ على المكاسب أصعب من تحقيق الانتصار الانتخابي .
ختاما : إن الدرس الأهم في الانتخابات البرازيلية أن الدول لا تحمي استقلالها بالشعارات وحدها ولا تصون الشعوب إرادتها بمجرد إسقاط مرشح أو انتخاب آخر بل بامتلاك مؤسسات قوية واقتصاد حر و قادر على الصمود ووعي شعبي يرفض تحويل المصالح الوطنية إلى أوراق في حسابات القوى الكبرى كما أن النفوذ الأمريكي مهما اتسعت أدواته ليس قدرا محتوما على الدول والشعوب وأن التحالف مع إسرائيل لا يضمن البقاء في السلطة ولا يمنح الاحتلال حصانة دائمة من المساءلة الدولية أما القضية الفلسطينية فدرسها أكثر إيلاما ووضوحا وهو أن التعاطف الدولي مهما اتسع معها يظل ناقص الأثر ما لم يتحول إلى ضغط سياسي وقانوني واقتصادي يوقف العدوان وينهي الاحتلال ويعيد إلى الشعب الفلسطيني حقه في الحرية وتقرير المصير وان صناديق الاقتراع منحت لولا فرصة جديدة لحماية حقوق الشعب وتحقيق العدالة ورفع مستوى المعيشة وتحسين الاقتصاد لان القوة الحقيقية للدول ليست في إخضاع الشعوب بل في احترام إرادتها كما ان الانتصار الاهم ليس فقط في إسقاط الخصم بل في بناء واقع أكثر عدلا واستقلالا وكرامة .
كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية
mahdimubarak@gmail.com

























