زمن الخزاعلة تكتب: دحنون الوطن.. أنينُ الفقد في قلعة الشموخ

زمن الخزاعلة تكتب: دحنون الوطن.. أنينُ الفقد في قلعة الشموخ
نبأ الأردن -
​حين تقف ابنة شهيد لتخاطب جلالة الملكة رانيا العبدالله بعبارتها العفوية: «أنتِ ما بتعرفي بابا...»، فإنها لا تقصد غياب المعرفة بقدر ما تترجم بحرقة طفولية عمق الفراغ الذي يتركه الراحلون بصمت، أيّ ثقل تحمل هذه الحروف الصغيرة وهي تسأل عن دفء اليد التي غابت، وعن رائحة الأب التي انقطعت فجأة على عتبات الفقد؟

كيف لا يلتهمُ الشوق الأفئدة ويشتعلُ الحنين، وهذه الجمرةُ الصغيرَة "قطعةُ الروحِ الأردنية" تقفُ على عتبةِ الغياب السحيق، تحثو الترابَ بأسئلتها عن من كانَ أُمّاً وأباً، ورحلَ دونَ وداع؟


اللحظة التي أقبلت جلالة الملكة بقلبها قبل خطاها وانحنت جلالتها والأميرات في بيت العزاء وقفة تنبض بالوفاء المطلق تلكَ التي تهاوت فيها كلُّ البروتوكولات لم يكن عناقاً رسمياً أفقياً للملكة بل كان انسكاباً كليّاً للروحِ في الروح.. سالت أدْمُعُ الملكة والأميرات حارّة لتمتزج بكفوف الأمهاتِ الثكلى وتغسلَ وجنات بنات الشهداء المكلومات، في مشهدٍ اختصرَ ماضياً وحاضراً من التلاحم الخالد أميرةٌ تلمّ شعث يتيمة، وملكة تعتصر بين أضلُعها لوعةَ أم أردنية، وكأن أضلعهن دروعٌ تُرمم ما انكسر من طفولة الوطن، وتزرع الدفء في صقيع الغياب.

وهناك.. عند أعتابِ الحزنِ الكركيّ المجيد، تتهاوى سُدُفُ الألقاب.. هكذا هم الهاشميين يطأون بيوتَ العزاءِ لا يؤدّون واجباً رسمياً، بل يمشون بقلوبٍ مفجوعةٍ بخطىً تزنُ الأرضَ هيبةً ودفئاً، ليحفروا في ذاكرةِ الدهرِ المعنى الخالدَ للبيتِ الأردنيّ الكبير.

ولأن الأردن عصي على الانكسار، لم تكن فاجعة الكرك الأبية مجرد جرح في جنوب الوطن، بل كانت زلزلة ضربت شغاف القلوب في كل شبر من أرضنا؛ ففي كل بيت أردني من شمال الرمثا إلى قبس العقبة، ومن قلب عمان الحبيبة إلى البادية الممتدة قامت مآتم وغصة حزن، وكأن الشهيد ابن لكل أردني وأردنية، إنه الدم الواحد الذي يسري في عروقنا جميعا، والمصاب الذي انسكب في أرواحنا ليثبت لهذا العالم أنه كلما حاول الغدر أن يطفئ نور ديارنا، اشتعلت فينا النخوة، وتلاحمت الأيادي على القناديل، وغدونا جسدا واحدا إذا اشتكى منه عضو تداعت له كل المحافظات بالوفاء والفداء.

سيظل هذا الحمى الهاشمي العتيد سدّاً منيعاً في وجه كل عابر وغادر، مستنداً إلى إرث أجداده الأمجاد من دوحة النبوة والكرامة؛ فحمى الله الأردن الغالي، وحمى قيادته الهاشمية الحكيمة، وجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، وسمو ولي عهده الأمين، درع الوطن وسنده.
وسيبقى هذا الشعب العظيم كما عهدناه طوال تاريخه المشرّف، صخرة تتحطم عليها كل المؤامرات، وواحة أمان وعز ولتبق راية المجد الأردنية خفاقة في أعالي السماء، مرفوعة بدموع الأحرار وسواعد الأبناء، وليبقى الأردن أبداً.. أردن الهيبة، أردن الفداء، وأردن الأحرار إلى أبد الآبدين.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions