د. اعتماد الجعافرة تكتب: حمود… حين بكى الوطن، وقف الهاشميون بين الجرح والعدل

د. اعتماد الجعافرة تكتب: حمود… حين بكى الوطن، وقف الهاشميون بين الجرح والعدل
نبأ الأردن -
هناك جراح لا تُقاس بالدم، وهناك لحظات لا تدخل التاريخ من بابه الواسع، بل تسلّل إلى الوجدان من باب الدمعة، فتسكنه عمرًا. وحمود، في هذه الأيام، لم تعد مجرد قرية جنوبية رفع الحزن رايتها فوق بيوتها، ولا اسمًا عابرًا في سجل الأخبار المؤلمة. صارت جرحًا في وجدان الأردن، وامتحانًا وقف فيه الوطن كله صفاً واحدًا، وشهادة على أن هذا الشعب حين يُختبر لا ينكسر، بل يشد أزرّ وحدته أكثر، ويرفع صوت العدالة أعلى من صوت الرصاص.
فما استهدف كنيسة القديس جورج في حمود بمحافظة الكرك من مصلّين أبرياء لم يكن اعتداءً على أفراد فحسب؛ بل مساسًا بحرمة العبادة، واعتداءً على حق الإنسان في الحياة والأمان، ومحاولة بائسة للنيل من نموذج أردني جعل من التآخي والتسامح والعيش المشترك ركائز أصيلة في هوية الدولة والمجتمع، لا شعارات تُرفع في المناسبات ثم تُنسى عند أول عاصفة.
من يطلق الرصاص في بيت للعبادة لا يصيب جدرانًا ولا أجراسًا؛ إنه يصيب فكرة الإنسان نفسها: إنسان له الحق في أن يعبد ربه بأمان، وأن يعيش بكرامة، وأن لا يُسأل عن دينه قبل أن تُسأل الدولة عن حمايته. وهنا تكمن الفداحة؛ فالجريمة لم تستهدف ضحاياها وحدهم، بل استهدفت العهد الأردني بأسره: عهد المواطنة، وعهد الكرامة، وعهد الأمان الذي لا يُشترى ولا يُساوَم عليه.
وفي اللحظات التي تتكشف فيها فداحة الألم، لا تُقاس القيادة بما تقوله من عبارات المواساة وحدها؛ بل بما تتخذه من مواقف، وما تبعثه من رسائل حاسمة، وما تمنحه لشعبها من يقين بأن الدولة حاضرة، وأن أمن الوطن ليس موضع مساومة، وأن دماء الأبرياء ليست شأنًا عابرًا يمكن أن تطويه الأيام.
ومن هنا جاء الموقف الهاشمي واضح الدلالة، راسخ الثوابت: الأردن، بقيادته ومؤسساته وشعبه، لن يسمح للإرهاب بأن يفرض منطقه، أو أن يزرع الخوف في نفوس مواطنيه، أو أن يشق الصف الوطني الذي ظل أقوى من محاولات الفتنة، وأبقى من مشاريع الكراهية، وأعمق جذورًا من كل من حاول أن يحفر في أساسه.
لقد جسّد جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، في متابعته للمشهد الأمني وتأكيده ضرورة ملاحقة المتورطين وإنزال العقاب العادل بهم، جوهر القيادة التي تجمع بين الحزم والمسؤولية؛ قيادة لا تترك الجريمة بلا حساب، ولا تسمح بأن يتحول الحزن إلى فوضى، أو الغضب إلى انقسام.
فالدولة القوية ليست تلك التي تكتفي بإعلان إدانتها، وإنما التي تحول موقفها إلى إجراء، ووعيدها إلى عدالة، وحرصها على مواطنيها إلى حماية فعلية لأرواحهم وحقوقهم وكرامتهم. إن أمن الأردنيين، جميع الأردنيين، خط أحمر لا تميز فيه الدولة بين مواطن وآخر، ولا تضع فيه اختلافات الدين أو المعتقد أي مسافة بين الإنسان وحقه في الحماية والإنصاف.
وفي النهج الهاشمي لا تنفصل هيبة الدولة عن إنسانيتها، ولا يتعارض الحزم مع مواساة المكلومين؛ فقوة القيادة لا تكتمل إلا حين تصل إلى الإنسان في لحظة ضعفه، وتلامس أوجاعه، وتؤكد له أن مصابه ليس منسيًا في زحام الأحداث.
ومن هذا المنطلق، اكتسبت متابعة جلالة الملك لأحوال المصابين والاهتمام باحتياجاتهم الصحية والإنسانية دلالة تتجاوز الإجراء الإداري؛ فهي تعبير عن مسؤولية الدولة تجاه أبنائها، وعن معنى القيادة التي ترى في كل مصاب أمانة، وفي كل أسرة مفجوعة واجبًا، وفي كل دمعة وطنية لا يجوز أن تُترك وحيدة في مواجهة الفقد.
ولم يكن حضور جلالة الملكة رانيا العبدالله إلى بيت العزاء في حمود، برفقة سمو الأميرة رجوة الحسين وسمو الأميرة سلمى بنت عبدالله الثاني، مجرد زيارة رسمية تؤرخ بالتواريخ، ولا بروتوكولًا يمر خلف الكاميرات؛ بل كان لحظة وطن يحتضن وطنًا، ولحظة ملكة تمتلك قلب أم قبل تاج الملكة.
وحين مدت جلالتها يديها الحانتين لتحتضن بنات الشهداء، لم تكن تحتضن أطفالًا فقدوا أباءهم فحسب؛ بل كانت تحتضن أمانة وطن كامل، وجرحًا أردنيًا لا يقاس بالدموع وحدها، ووعودًا صامتة أصدق من كل الخطابات: أن هذه البنات لن يبقين وحيدات في مواجهة الحياة، وأن الدولة التي فقدت أبناءها لن تترك أبناءها بلا سند ولا حنان.
وفي تلك اللحظات المواتية، حين انهمرت دموع جلالتها مع دموع الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن، ومع الزوجات اللواتي فُقدت بين أذرعهن نصف الحياة، ومع البنات اللواتي حملن فراق الأب في عيونهن الصغيرات، لم يكن البكاء ضعفًا؛ بل كان أرقى صور الإنسانية، وأصدق لغة تنطق بها القيادة حين تصل إلى قلب الجرح مباشرة.
فدمعة الملكة، وهي تمسح دمعة أم ثكلى، أو تحتضن طفلة فقدت أبًا، أو تقف بجانب زوجة انكسر قلبها، لم تكن دمعة عابرة؛ بل كانت رسالة إلى كل بيت أردني مفجوع: أنكم لستم وحدكم، وأن وجعكم وجعنا جميعًا، وأن كرامتكم أمانة في عنق الدولة، وأن أبناءكم الذين رحلوا سيبقون أحياء في ذاكرة الوطن، وفي عهد الوفاء الذي لا يُخلف.
إن هذا الحنان الملكي ليس لحظة عاطفية تمر؛ إنه امتداد لنهج هاشمي عريق جعل من الإنسان غاية الدولة لا أداة لها، وجعل من المواساة سياسة قبل أن تكون أخلاقًا، وجعل من احتضان المكلومين عهدًا لا يُنقض. فالملكات العظيمات لا يقاس أثرهن بما يملكن من سلطة، بل بقدرتهن على أن يجلسن إلى جانب الألم، لا أن يأمرناه من بعيد.
وقد جسدت جلالة الملكة رانيا ذلك حين جعلت من دموعها جسرًا بين قصر القيادة وبيوت الفقد، ومن حنانها عزاء حقيقيًا لا يُشترى ولا يُصنع، ومن حضورها شهادة على أن الأردن حين يفقد أبناءه لا يفقدهم في الحقيقة؛ بل يكتبهم في سجل الشرف، ويحملهم في قلب الدولة، ويحمي أبناءهم وأسرهم كما كانت تحميهم أيديهم.
إن قيمة هذا الحضور لا تكمن في صورته وحدها، بل في الرسالة التي يحملها: أن الأردن لا يترك أبناءه في ساعات المحنة، وأن كرامة الإنسان ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، وإنما مبدأ يترجم إلى موقف وسلوك. فالقيادة التي تقترب من وجع الناس تؤكد أن العلاقة بينها وبين شعبها ليست علاقة مؤسسات ومناصب فحسب، بل رابطة ثقة وانتماء تتجدد في أوقات الشدة أكثر مما تتجلى في أوقات الرخاء.
وجاء موقف سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ليؤكد أن الاعتداء على المصلين ليس جريمة بحق الضحايا وذويهم وحدهم؛ بل اعتداء على الأردن بأسره: على أمنه، واستقراره، وقيمه الجامعة، وعلى الصورة التي رفضت أن تكون وطنًا للطائفية أو ملعبًا للفتنة.
فالأردن الذي بناه الهاشميون على قاعدة المواطنة والكرامة لا يقبل أن تستباح دور العبادة، أو أن يُروّع الآمنون، أو أن يستخدم الدين غطاءً للعنف والكراهية. وإن تأكيد سمو ولي العهد ملاحقة الجناة ومحاسبتهم يعكس فهمًا عميقًا لمعنى المسؤولية الوطنية؛ فالتسامح لا يعني التساهل مع الجريمة، والتعايش لا يعني الصمت أمام الاعتداء، والرحمة لا تلغي حق الضحايا في العدالة.
وهنا تتجلى عظمة النهج الهاشمي في توازنه الدقيق: بين الحزم والرحمة، وبين قوة الدولة ودفء الموقف الإنساني، وبين حماية الأمن وصون الحقوق. فليست قوة الأردن في أجهزته ومؤسساته وحدها، على أهميتها؛ بل في منظومة القيم التي تحكم عملها، وفي قيادة تؤكد أن العدالة أساس الاستقرار، وأن الوحدة الوطنية خط الدفاع الأول عن الدولة، وأن الاعتداء على أي مواطن بسبب معتقده أو هويته اعتداء على حق الأردنيين جميعًا في وطن آمن كريم.
ومن موقعنا التربوي، فإن ما حدث في حمود يضع أمام المؤسسات التعليمية مسؤولية تتجاوز حدود المناهج والامتحانات؛ مسؤولية بناء الوعي، وتعزيز الانتماء، وتحصين الطلبة من خطاب التطرف، وترسيخ ثقافة الحوار واحترام الآخر. فالمدرسة ليست مكانًا لتلقين المعرفة وحدها؛ بل فضاء لصناعة الإنسان الأردني الذي يدرك أن قوة وطنه في تماسكه، وأن حماية الوطن تبدأ بحماية الإنسان.
رحم الله ضحايا هذا الاعتداء الآثم، ومنح ذويهم الصبر والقوة، وكتب الشفاء للمصابين، وحفظ الأردن آمنًا مستقرًا في ظل جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وجلالة الملكة رانيا العبدالله، وسمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني.
وسيبقى الرهان على وعي الأردنيين ووحدتهم، وعلى عدالة الدولة وحزمها، وعلى نهج هاشمي أدرك أن حماية الوطن لا تكون بالسلاح وحده؛ بل كذلك بحماية كرامة الإنسان، وصون النسيج الوطني، وإبقاء أبواب الرحمة مفتوحة أمام المكلومين، وأبواب العدالة مشرعة في وجه كل من تسول له نفسه العبث بأمن الأردن وأهله.
حمود موجعة… لكن الأردن أكبر من الجراح. والنهج الهاشمي، حين يجمع هيبة الدولة بإنسانية الموقف، يؤكد أن الوطن الذي يحمي أبناءه بالعدل، ويجمعهم على الكرامة، لا تهزمه يد الإرهاب، ولا تنال من وحدته رياح الفتنة.

د. اعتماد الجعافرة
مدير الشؤون الإدارية والمالية – لواء المزار الجنوبي
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions