د. ميسون العتوم تكتب : تحالف الشرّين : قوى التطرف وقوى الإستعمار

د. ميسون العتوم تكتب : تحالف الشرّين : قوى التطرف وقوى الإستعمار
نبأ الأردن -
بالأمس القريب، كان العرب جميعًا يطربون لصوت فيروز أو فريد الأطرش، ولم يكن أحد يسأل عن إثنية الفنان أو ديانته؛ كان صوته، بما يحمل من جمال، يعبر الحدود ويحلّق فوق الانتماءات، ليضيف إلى الوجدان العربي المشترك شيئًا من الذوق والثقافة، ويجمع في نبراته ما لا تجمعه الشعارات. ثم احتُلّ العراق، فكان من أخطر ما خلّفه الاحتلال إيقاظ النعرات وإشعال الفتن بين الطوائف والأديان والمِلَل، حتى غدا الاختلاف شرخا في جسد المجتمع، بعدما كان من الممكن أن يكون مصدر غناه. وما إن ترسّخت أقدام الاحتلال حتى أخذت تتكاثر القوى المسلّحة ومشاريع النفوذ، من تشكيلاتٍ موازية ارتبط معظمها بمصالح خارجية كتـنظيم داعش، الذي سفك دماء المدنيين في العراق، ثم في مدن سوريا وأريافها. وها نحن نشهد، من اليمن إلى لبنان و ليبيا، استنزافًا للطاقات وتبديدًا للإمكانات في تعبئة طائفة ضد أخرى، وديانة ضد أخرى، وبلد ضد آخر؛ كأنّ المطلوب أن ينسى أبناء الوطن ما يجمعهم، وألا يروا في بعضهم بعضًا سوى خصومٍ على ضفتي انقسام. وقد كشفت السنوات التي أعقبت احتلال العراق، ثم التحولات التي عُرفت بالربيع العربي، كيف جرى الإستثمار بالتيارات المتطرفة وتنظيماتٌ سارت في فلكها، الأزمات والانقسامات لتقويض مؤسسات الدولة وإضعاف ما تقوم عليه حياة الناس من تعليم وصحة ومواصلات وسائر المرافق العامة. وهكذا، لا تُستنزف الأوطان بالحروب وحدها، بل حين يُنتزع من أبنائها شعورهم بأنهم شركاء في مصير واحد، وحين تُرفع الهويات الضيقة فوق المواطنة، فيصبح ما كان يجمعهم ذاكرةً بعيدة، وما يفرّقهم حاضرًا يحول بينهم وبين مستقبلهم.
لذلك، لا نقرأ الجريمة الإرهابية التي استهدفت إخوتنا المسيحيين الآمنين في كنيسة حمود بالكرك اعتداءً على جماعة دينية فحسب، بل طعنةً في قلب الوطن وتاريخه المشترك. فالاختلاف ليس نقيضًا للتقدم، بل قد يكون من دوافعه، ما لم يتحول إلى أداة للفرقة والاقتتال. وهذا ما أراده القتلة: أن يضربوا رابطة المواطنة، ويستدرجوا الناس من رحابة الوطن إلى ضيق الطوائف والعصبيات. وهنا تبرز مفارقة تاريخية كبيرة : كيف تلتقي جماعات تكفيرية ترفع راية العداء للاستعمار، في نتائج أفعالها، مع مصالح قوى الهيمنة التي تزعم محاربتها؟
ليس ضروريًا أن تتطابق العقائد حتى تلتقي المصالح. فالاستعمار، قديمه وحديثه، وجد في انقسام المجتمعات وإضعاف دولها سبيلًا لتوسيع نفوذه والتحكم في مواردها ومصائرها. فالدولة المتماسكة، المالكة لقرارها وثرواتها، ليست كدولة تستنزفها صراعات الداخل، فتغدو مواردها غنائم، وأسواقها مجالات للنفوذ، وسيادتها أوراق تفاوض بأيدي الآخرين.
ولعل ما جرى في بلدان عربية عديدة يكشف كيف تتحول التعددية، تحت وطأة الاستبداد والتدخلات الخارجية، إلى ثغرات تتسلل منها مشاريع الهيمنة. فلم يكن تعدد الانتماءات مصدر المأساة، بل تحويلها إلى أدوات للصراع على السلطة والمال. وهنا تكمن خطورة الفكر التكفيري؛ فهو لا يستهدف المختلف في عقيدته فحسب، بل ينقض أساس الدولة الحديثة: أن يكون الناس مواطنين متساوين، لا رعايا تتحدد حقوقهم بمعتقداتهم. إنه يستدعي عصبيات ما قبل الدولة، ويجهض مسارًا تاريخيًا شاقاّ وطويلاّ خاضته الشعوب العربية لبناء حلم دولة المواطنة.
ويضيء سمير أمين هذه المفارقة في تحليله للتبعية؛ فالهيمنة قد تجد في استمرار البنى التقليدية والانقسامات ما يضمن إعادة إنتاجها. وهكذا قد تتعايش أشد الخطابات محافظة مع أحدث أشكال السيطرة الاقتصادية، بل تخدم مصالحها دون إعلان الولاء لها.
غير أن الخطر لا يقف عند حدود الفكر التكفيري؛ فثمة من يرفع راية الحداثة والتقدم، ولا يرى فيهما سوى الاقتداء بالغرب والتسليم بتفوق نموذجه، حتى وإن كان الثمن التفريط باستقلال الأوطان وخصوصيتها التاريخية والثقافية. وهكذا نجد أنفسنا بين فكر يريد أن يأسرنا في ماضٍ مصنوع ولا يمت للعقيدة السليمة بصلة ولا يقبل النقد، وآخر يريد أن يلحقنا بغرب لا يقبل المراجعة. ومن هنا تكتسب دعوة عبد الكبير الخطيبي إلى «النقد المزدوج» أهميتها؛ فلا سبيل إلى التحرر ما لم نواجه هيمنة الخارج وسلطات الداخل معاً، ونخضع الموروث كما النموذج الغربي للمساءلة والنقد. فليس التحرر أن نستبدل تبعية بأخرى، ولا أن نختار بين استبداد شكل من الماضي وهيمنة شكل من الحاضر، وإنما أن نمتلك حق التفكير المستقل وصناعة مستقبلنا بأيدينا. فلا استقلال لوطن مرتهن، ولا حرية لعقل سجين.
إن دماء شهدائنا في الكرك تضعنا أمام مسؤولية تتجاوز الإدانة إلى الدفاع عن مشروع الدولة الوطنية ذاتها. فإخوتنا المسيحيون ليسوا ضيوفًا على هذا الوطن، ولا أقلية تستجدي حمايته، بل هم من أصحابه وصنّاع تاريخه، وحقهم في الحياة والأمان حق أصيل لا منّة فيه لأحد. وما أصابهم أصابنا جميعًا؛ فالرد على الجريمة ليس بحراسة الكنائس وحدها، بل بحراسة فكرة الوطن من كل من يسعى إلى تفكيكها، باسم الدين أو الحداثة والتقدم. فالإرهاب لا ينتصر حين يقتل فحسب، بل حين يحوّل الجيران إلى خصوم، والمواطنين إلى طوائف، والوطن إلى غنيمة.

د. ميسون العتوم : باحثة واكاديمية في الجامعة الأردنية

تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions