يوسف الطورة يكتب: الله بريء من حراسه
نبأ الأردن -
من قبل الف سنة مما تعدون، وما زلت افتش عن الحقيقة، البعض يخاف على الله ولا يخاف منه، فتجده يخبئ الله بين طيات إيمانه ويضعه في جيوب أفكاره.
فيبيح لنفسه تبعاً للمعتقد ولهذه الأفكار القتل والنهب، معللاً أفعاله الشنيعة هذه بالخوف على الله، فيوهم الناس بأن الله بحاجة إلى حراس شخصيين، وأن الإيمان بحاجة إلى أسلحة لحمايته من محاولات الاغتيال والمؤامرات، وكأن الله "ولله المثل الأعلى" خائف يترقب، وينتظر من هذا البائس الذي لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، النصرة والعون.
ثمة من يعتقد أن من واجبه المقدس يقتل كل من يخالفه في العقيدة أو المذهب أو حتى الرأي، ويسمي ذلك بالقتل المقدس، أو حتى ينهب أموال الناس ويسمي ذلك بالنهب المقدس، وعندما تسأله من أين لك هذا؟ يرد هو من عند الله، وكأن الله اصطفاه ليغدق عليه من فضله دوناً عن العالمين.
كما لو أن الله منحه عصا موسى وهي التي شقت الأرض إلى نصفين، أو كأن الله اصطفاه هو وعصاه فالتهمت كل العصي والحبال ليغرقوا الجميع في اليم وينجو وحده، ويسمي ذلك بالقتل المقدس، والنجاة المقدسة.
يجهلون الناس باسم الله، يصورون الله للناس كما يشاؤون، لقد سرقوا الدين والمعتقد ومعناهما، ثم سرقوا من الإنسان إنسانيّته بإخضاع عقله وفرض بيقينيات عليه هي في الأساس من المحرمات.
فأوهموه بأن المدخل إلى التاريخ من باب العقائد، وأن المدخل إلى الإيمان هو من الطقوس، وأن إزهاق الأرواح سبيل التقرب إلى الله، وأن على الجميع التسليم الكامل.
أوهموا عقول بعض الناس بأن هذا كله من عند الله، حتى أصبح الجهل مقدساً، أولئك هم الذين يكتبون المعتقدات بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله.
في قصة ابني النبي آدم الأول؛ كان ابنان صدق أحدهما مع الله فتقبل قربانه، فقتله أخوه، ثم جاء النص المقدس والقصة التي انتصر فيها الله للمقتول، وبقي قابيل يحمل وزر كل قتل عبثي.
العبث هنا ليس عقوبة وإنما فعل يعاد إنتاجه وحراسته ومعاقبة من يحاول الهرب منه، كأنها خطايا مضرجة بدم هابيل القتيل، لتتسائل هل من المعقول بعد مجيء الف نبي وقديس أن يعود العالم إلى التيه؟.
يوماً ما على ما أظن ستختفي روائح الدم من اروقة البلدة، ربما لن يكون هناكَ سوى الشوارع بكامل وجعها، ووجع رصاصها، حينها سأجوب الشوارع حافياً ليس نذراً ولا هستيريا، ولا حتى جنوناً، أدوس فوارغ الرصاصِ رصاصة رصاصة، وأبصق دون خجل على كل واحدة منها.
سأجمعها رصاصة فأخرى وأثقبها وامرر خيط الذاكرة المتعبة من انحطاط العالم بواحدة تلي الأخرى، وأصنع من بقاياها قلائد أُعلقها على جيد الشجرةِ الباقية من المدينة.
ربما يمر بعض النسيم ويحركها فيختلط رنينها بكل أناقة بأحلام الأحياء المؤجلة، التي تحصي كل الأشياء العالقة في ذاكرة كل من شهد فاجعة الكرك، والتي اعتقدت ان البقية على وشك النجاة.
في غفلة منا، ثمة من يريد أن يورثنا ديناً جديداً بديباجات ونصوص عبثية مملوءة بقيم الجاهلية الأولى، وأغفل، أو تغافل حقيقة الدين التي جاء بها الأنبياء والمرسلون والمبنية على العلاقة بين الله والعباد.
بالأمس كان ديناً واحداً، وفي المدينة كلها مئذنة واحدة لكل الناس على اختلاف مذاهبهم، اليوم في المدينة ألف مئذنة، وألف مذبحة، والف مفسدة.
























