اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

إيمان عكور تكتب: نبيلة الحشوش... حين يصبح صوت الأرض مزعجًا!

إيمان عكور تكتب:   نبيلة الحشوش... حين يصبح صوت الأرض مزعجًا!
نبأ الأردن -
حين وقفت نبيلة الحشوش في وجه النواب، تسابق كثيرون للاحتفاء بها.
امتلأت الصفحات بصورها، وتبارت الأقلام في وصف شجاعتها، وتحولت المزارعة السمراء القادمة من غور الصافي إلى أيقونة وطنية، وإلى صوت الأرض الذي أربك أصحاب المقاعد الوثيرة.
ثم جاء خبر توقيفها، فتغير المشهد.
واليوم، وصلنا خبر قبول طلب إخلاء سبيلها بالكفالة، وهو خبر يبعث على الارتياح، ونأمل أن تُستكمل إجراءاته وتعود نبيلة إلى أهلها وأرضها وناسها.
لكن الخبر، على أهميته، لا يلغي الأسئلة التي أثارتها الأيام الماضية.
**أين كنتم؟**
أين الذين صفقوا لشجاعتها؟
أين الذين صنعوا من صورتها ترندًا؟
أين الذين استعانوا بالذكاء الاصطناعي ليكتبوا قصائد المديح في امرأة لم يكونوا يعرفون عنها شيئًا، سوى أنها امتلكت الجرأة لتقول ما عجز كثيرون عن قوله؟
هل انتهت صلاحية البطولة بانتهاء الترند؟
قد تكون نبيلة رفعت صوتها أكثر مما ينبغي. وقد تكون عفويتها سبقت حساباتها، وخرجت كلماتها كما يخرج الماء من الأرض، بلا استئذان ولا تنسيق.
لكن هل أصبح ارتفاع صوت المزارعة أهم من الوجع الذي دفعها إلى الصراخ؟
وهل المطلوب من الإنسان الذي يخشى على أرضه ورزقه أن يستعين بخبير علاقات عامة قبل أن يفتح فمه؟
نبيلة لا تتحدث بلغة الصالونات السياسية، ولا تجيد تغليف غضبها بالمصطلحات المهذبة.
هي امرأة من الأرض. وحين تخاف على الأرض، لا تبحث في قاموسها عن العبارة الأكثر دبلوماسية.
تعرفت إلى نبيلة شخصيًا قبل شهر، حين نسقت معها زيارة فرح لأطفال غور الصافي من خلال جمعية خلونا نفرحهم. هناك رأيت امرأة أخرى غير تلك التي شاهدها الناس على الشاشات.
رأيت محبتها في عيون الناس، ورأيت امرأة سمراء تركض بين الأطفال والأهالي، لا تكل ولا تمل، كأن فرح الآخرين مسؤوليتها الشخصية.
لم أرَ زعيمة تبحث عن جمهور، ولا ناشطة تبحث عن كاميرا. رأيت ابنة الأرض التي تعرف ناسها، ويعرفونها.
واليوم أسأل...

أين أحزاب الخمس نجوم؟
أين خطاباتكم عن الديمقراطية والمشاركة السياسية وحرية التعبير؟
أين برامجكم التي تتحدث عن المواطن وكرامته وحقوقه؟ هل تحتاج نبيلة إلى بطاقة عضوية حزبية حتى يستحق صوتها أن يُسمع؟
وأين مؤسسات حقوق المرأة؟
أين الجمعيات التي تملأ المؤتمرات حديثًا عن تمكين النساء، والقيادة النسائية، وإشراك المرأة في صناعة القرار؟
ها هي امرأة واجهت مسؤولين، ورفعت صوتها دفاعًا عن أرض وناس وقضية.
فهل تمكين المرأة عندكم أن تتحدث على منصة مؤتمر، أم أن تجد من يصغي إليها ويهتم بحقوقها حين يصبح كلامها مزعجًا؟
هل تدافعون عن المرأة حين تكون صورتها جميلة على البروشور فقط، أم حين يكون صوتها خشنًا، وغضبها غير مرتب، ولهجتها من تراب الأغوار؟
ولا أعفي النواب من السؤال.
تلك المرأة التي وقفت أمامكم، والتي ربما رأى بعضكم أن مواجهتها ستكون سهلة لأنها مزارعة من الأغوار، أعادت إلى الواجهة سؤالًا قديمًا:
هل قيمة المواطن بما يحمله من ألقاب ومناصب، أم بما يحمله من قضية وحجة وحق في أن يُسمع؟
كان الأجدر أن يُصغى إلى خوفها على الأرض، وألا تختزل قضيتها في حدة صوتها أو عفوية كلماتها.
وأنا هنا لا أطالب بإعفاء أحد من أحكام القانون، ولا أزعم أن كل كلمة قيلت كانت صائبة، ولا أملك تفاصيل الملف القضائي أو المعطيات الكاملة التي استندت إليها الإجراءات المتخذة بحق نبيلة.
وأحترم استقلال القضاء واختصاص الجهات المعنية في النظر في الوقائع وتقديرها وفق القانون.
لكن من حقنا، كمواطنين، أن نتساءل عن المساحة المتاحة للتعبير عن الغضب والاعتراض، وعن كيفية الموازنة بين تطبيق القانون وصون الحريات العامة، مع مراعاة ظروف كل واقعة وسياقها وضمانات العدالة.
ومن حق نبيلة، كأي مواطن، أن تتمتع بجميع الضمانات القانونية، وأن تُتاح لها سبل الدفاع والطلبات التي يجيزها القانون.
وقبول طلب إخلاء سبيلها بالكفالة تطور نرحب به، دون أن يعني ذلك انتهاء القضية أو استباق ما قد يصدر بشأنها من قرارات قضائية.
لسنا في موقع إصدار الأحكام، لكننا أيضًا لسنا مطالبين بالصمت عن الأسئلة.
نبيلة اليوم ليست مجرد اسم.
إنها امتحان لمصداقية كل الذين تغنوا بشجاعتها. امتحان للأحزاب.
وللمؤسسات الحقوقية. وللخطاب النسوي.
ولكل من يرفع شعار أن المواطن هو أساس الوطن.
وأعرف أن هناك من رفع صوته مطالبًا بإنصافها، ولهؤلاء كل التقدير.
لكن السؤال يبقى موجهًا إلى أولئك الذين كانوا في مقدمة المصفقين، ثم لم نعد نسمع لهم صوتًا.
هل كنتم مع نبيلة لأنها كانت ترندًا، أم لأنكم تؤمنون فعلًا بحقها في الكلام؟
وأخيرًا...
لا أريد منكم أن تصنعوا من نبيلة بطلة جديدة. فهي لم تطلب من أحد أن يصنع لها بطولة. أريد فقط ألا تتركوها وحدها حين تصبح البطولة مكلفة.
وأريد ألا يضيع وسط الجدل حول كلماتها وإجراءات قضيتها أصل الحكاية التي خرجت للدفاع عنها: الأرض وأهلها ورزقهم.
اليوم نفرح بخبر قبول الكفالة، وننتظر استكمال الإجراءات القانونية، مع احترامنا الكامل للقضاء ومسار القضية.
لكنني أتمنى ألا تنتهي حكاية نبيلة بانتهاء خبر توقيفها أو إخلاء سبيلها.
فالأرض التي رفعت صوتها من أجلها ما زالت تستحق أن يُسمع صوت أهلها.
ونبيلة التي صفقتم لها حين كانت تواجه النواب، كانت تستحق أن تسمع أصواتكم أيضًا حين واجهت محنتها.
لأن أسهل أنواع الشجاعة أن تصفق لإنسان وهو يواجه الآخرين. وأصعبها أن تقف إلى جانبه حين يحتاج إليك.
والسؤال ليس فقط لماذا رفعت نبيلة صوتها إلى هذا الحد...
بل لماذا نحتاج دائمًا إلى أن يصرخ أصحاب الوجع حتى نسمعهم، ثم نلومهم على الصراخ؟
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions