راكان السعايدة يكتب: الجبهة الداخلية: معالجة الأزمات أم إدارتها..؟
نبأ الأردن -
في بلد تدفع إليه أزمات الإقليم ومتغيراته قدراً كبيراً من المخاطر، وأهمها تراكم سياسات وإجراءات "إسرائيلية" تستهدف الضفة الغربية، ضماً وتهجيراً، فإن السؤال عن مدى صلابة الجبهة الداخلية لا يكون ترفاً، بل ضرورة.
فبلا جبهة داخلية قوية، بالقدر الضروري، فإن قدرة الدولة وإمكان مواجهة تداعيات الواقع المحيط تصبح أكثر تعقيداً ومحفوفة بالأخطار. لذا، فإن أول ما يجب أن تتأكد منه الدولة: منعتها الداخلية.
لكن، أولاً، وحتى لا تختلط المفاهيم، وتخرج من سياقها، وكي لا نحمّل المعنى أكثر مما يحتمل.. فالسؤال، في جوهره، ليس ما إذا كانت لدينا جبهة داخلية صلبة وقوية، وإنما مدى صلابتها وقوة تماسكها.
إذ إن صلابة الجبهة الداخلية، في أي بلد، لا تُبنى في يوم، ولا تنهار في يوم، وإنما هي، في صميمها، فعلٌ تراكمي؛ يُبنى ببطء، ويُستنزف ببطء أيضاً.
إذن، ما الواقع، وفي أي اتجاه نسير؟
إن تحديد اتجاهات سير الأمور لدينا يقتضي إمعان النظر بجدية في واقع أربعة من العوامل الأساسية الفارقة: مستويات الفقر والبطالة والغلاء، ومنسوب الحريات العامة.
وبوصف هذه العوامل الأربعة الأكثر أثراً في حياة الناس، ولأنها تعمل كمنظومة واحدة ومتشابكة، فهي مدخل مهم لفهم الواقع الراهن، والوقوف على كيفية تعامل المستويات الرسمية مع أزماته، وما إذا كانت تعالج الواقع الصعب جذرياً، أم تديره وتدير تداعياته فقط.
هذا السياق يمكن أن يساعد كثيراً في تحديد اتجاهات سير الأمور، ويوضح مدى اهتمام جبهة الداخل بتداعيات متغيرات الإقليم وتأثيراتها، والأهم، قطعاً، أنه يحدد ما إذا كان هذا الداخل مستعداً وجاهزاً بالفعل لأن يضحي ويدفع ثمن مواجهته للمخاطر.
هذا تساؤل مهم.. ورغم أنه بلا إجابة يقينية بعد، إلا أن عدم إجابته لا يمنع الاعتراف بأن العامل الأساس في منعة الجبهة الداخلية مرتبط عضوياً بمقدار ثقة الناس بالسلطة.
في العادة، تأتي الثقة نتيجة منطقية لقناعة الناس بجدية السلطة في معالجة الجوانب الملحة في حياتهم، وجوهرها: الفقر والبطالة والغلاء والحريات.
الفقر بين الأردنيين مقلق؛ فوفقاً للتصريحات والتقديرات الرسمية والحكومية السابقة (مثل ما أُعلن خلال حكومة بشر الخصاونة)، قُدرت أحدث نسبة للفقر بنحو 24%، وهو ما يعادل تقريباً مليوني شخص، بينما قدّره البنك الدولي العام الماضي بـ35%، وهو تفاوت كبير في تقدير حجم المعضلة يستحق التوقف عنده وفحص أسبابه، أهي متعلقة بشفافية البيانات أم بمعايير القياس، أم بشيء آخر.
البطالة تراوح عند 21% بين الأردنيين وفقاً لتقدير الإحصاءات العامة في الربع الثاني من هذا العام، وهي شديدة الارتفاع بين الشباب، وهذه الفئة أكثر الفئات التي تحتاج اهتماماً وانتباهاً.
الغلاء أيضاً معضلة كبيرة، فهو يضغط باستمرار على قدرات الناس في احتماله والتعايش معه في ظل تآكل مداخيلهم وعدم قدرتهم على تغطية متطلباتهم الحياتية الأساسية، أمام ثبات المداخيل وعدم رفعها بالقدر الكافي، فضلاً عن آليات السوق الحر الذي لا يقيم وزناً للبعد الاجتماعي أمام تضخيم العوائد والأرباح.
الاستنتاج الأهم هنا، أن المشكلة المعيشية وصعوباتها لا تُنتج فقط ضغوطاً اجتماعية؛ بل قد تؤثر أيضاً في مدى استعداد المجتمع لتحمل كلفة الأزمات الوطنية، أياً كان شكلها وأسبابها.
من الممكن، وهذا لا يجوز إنكار واقعه عموماً، أن تكون ظروف المالية العامة للدولة صعبة، وتعاني شحاً في مواردها، وهذا، في ظني، نتيجة ظروف إقليمية ودولية شديدة الأثر، وسياسات اقتصادية خاطئة، من بينها أخطاء الخصخصة والخلل في إدارة المال العام والفساد والسياسات الضريبية غير العادلة، وبخاصة الضرائب غير المباشرة، وغيرها..
لكن لا ينبغي أيضاً إغفال أن الدعم الاقتصادي الخارجي قد يرتبط، في بعض الحالات، بحسابات ومصالح سياسية، وهو ما يستدعي من الدولة الحفاظ على أوسع هامش ممكن من استقلال قرارها.
هذا مفهوم تماماً، ويؤخذ بالحسبان، لكن تفهّم الناس له شيء، وأن يروا عملاً رسمياً جاداً ومقنعاً لحل مشاكلهم شيء آخر؛ فهم يريدون حلولاً عملية لا مجرد إدارة للمشاكل، يريدون من الدولة توزيعاً عادلاً لإمكاناتها الاقتصادية المتاحة، وتدخلاً في آليات السوق لضبط الغلاء، وحكم القانون، ومحاربة الفساد، وتحسين خدمات الإدارة العامة وتطويرها، دون محاباة أو تمييز.
أما في جانب الحريات العامة، الأمر لا يختلف كثيراً، فالأسئلة التي تثار بجدية وواقعية حول مستوى تراجعها لا تتوقف، واليقين عند العامة يتراكم بأن الحريات ما عادت تلبي أو تتوافق مع متطلبات وشروط الديمقراطية.. والمقصود هنا ليس الحريات العامة بوصفها ترفاً سياسياً، وإنما بوصفها آلية وقائية تمنع تراكم الضغط، والأهم أنها أداة لتصريفه.
وهذا يُظهر حاجة المجتمع الفعلية لامتلاك برلمان مؤثر، ونقابات فاعلة، وأحزاب حاضرة ومعبرة، وإعلام حر، ونقاش عام مفتوح؛ فبذلك تتوافر للمجتمع، والسلطة أيضاً، صمامات أمان تسمح بتصريف التوترات قبل أن تتحول إلى أزمات.
بمعنى، أن إغلاق المجال العام، وتقييد هيئاته الوسطية، من برلمان ونقابات وأحزاب ومؤسسات مدنية، لا يعني أن الضغط اختفى، بل في الحقيقة هو يتراكم في الخفاء، باحثاً عن مخرج ما.
ما النتيجة؟
ببساطة، هذه ركائز مفصلية لا يمكن القفز عنها، ولا ينبغي تجاهلها، فالجبهة الداخلية، عندما تكون مشغولة، كل الوقت، بتأمين معيشتها وتُقيَّد قدراتها على التعبير عن نفسها، فلا يُتوقع منها أن تكون معنية كثيراً، ولا تلقي بالاً لتداعيات الإقليم وما ينتج عنها، وهذه مسألة غاية في الأهمية والحساسية.
ويصبح الأمر أكثر تعقيداً عندما تبدو الدولة في كثير من الملفات، لأسباب ذاتية وموضوعية، أقرب إلى إدارة أزماتها وتداعياتها من معالجة جذورها.
وإذا صح هذا الاستنتاج، فإن أي جبهة داخلية تُدار أزماتها ولا تُعالج، لا تنهار في لحظة واحدة، بل تتآكل ببطء، وتتآكل معها الثقة بالسلطة، وبقدرتها على المعالجات الجذرية لا التسكينية للمشكلات.
وهنا تحديداً، عندما تلتقي تداعيات الأزمة الداخلية مع الخطر الخارجي، تكون ثقة الجبهة الداخلية وتماسكها، رافعةً للدولة وحصنها المنيع وشريكها في تحمل كلفة التعامل مع المخاطر المحيطة بها، والعكس صحيح.
بالمختصر الشديد، عندما يأتي الاختبار الأكبر والأكثر خطورة، كما قد يأتي من الضفة الغربية، لا يكون السؤال الحساس عن جهوزية المؤسسات فقط، بل أيضاً عما إذا كانت الجبهة الداخلية ما زالت ترى أن لديها ما تدافع عنه.
يبقى السؤال قائماً ومفتوحاً: لماذا تختار الدولة إدارة الأزمات بدل معالجتها؟ وما تقديرها لطبيعة الثمن الاستراتيجي لهذا الاختيار؟
























