د. عادل الدردساوي يكتب: أعيدوا إلينا جزيرتنا التي نعرف
نبأ الأردن -
منذ اندلاع الحرب الصهيوأمريكية على إيران، بدا للكثير من متابعي الإعلام العربي أن شيئًا جوهريًا قد تغيّر في قناة الجزيرة؛ ليس فقط في نوعية التغطية، وإنما في منهجية إدارة الخبر، واختيار الضيوف، ومساحة التحليل، وطريقة تقديم الرواية السياسية للأحداث.
والسؤال هنا ليس سؤال عابرٍ غاضب، بل سؤال مشاهد عربي تابع الجزيرة على مدى ربع قرن، واعتاد أن يراها نافذة مختلفة في المشهد الإعلامي العربي:
ماذا جرى للجزيرة التي عرفناها؟
كانت الجزيرة، وعلى مدار أربع وعشرين ساعة، حاضرة في بيوت الملايين من العرب، وفي بيوت العرب في المهجر. كانت الشاشة التي ينتظرها المشاهد لمعرفة ما وراء الخبر، وليس مجرد معرفة الخبر نفسه.
بل إن الجزيرة في مرحلة من مراحلها كانت جزءًا من الحياة اليومية للعائلة العربية؛ وقد يصل الأمر إلى أن يختلف الزوج مع زوجته إذا أرادت الانتقال إلى قناة أخرى لمشاهدة برنامج أو فيلم!
أما اليوم، فثمة شعور متزايد لدى شريحة من المشاهدين بأن الجزيرة فقدت شيئًا من بريقها القديم، وأن بعض برامجها ونشرات أخبارها لم تعد تمنح المشاهد العربي ذلك الإحساس بالتميز الذي اعتاد عليه.
ومن هنا أوجه حديثي إلى إدارة الجزيرة، الحالية والسابقة:
هل تدركون حجم هذا التغيير في مزاج المشاهد العربي؟
المواطن العربي اليوم لا يجلس أمام شاشة الجزيرة لمجرد أن يسمع مذيعًا أو مذيعة يقرآن الأخبار من جهاز الـ«أوتوكيو». المشاهد يريد الخبر، والسياق، والتحليل، والخلفية، والرأي المتخصص، والصورة الكاملة.
كان المشاهد ينتظر محللين يمتلكون القدرة على تفكيك الحدث وقراءة ما وراءه، أمثال فايز الدويري وإبراهيم فريحات وحسن أحمديان وغيرهم.
لماذا تراجعت مساحة التحليل العميق لصالح الحديث الإنشائي المتكرر؟
ولماذا يشعر المشاهد أحيانًا أن بعض الحوارات السياسية والعسكرية أصبحت أقرب إلى إعادة تدوير المعلومات المتداولة على شبكة الإنترنت، بدل أن تكون قراءة مهنية متخصصة تضيف شيئًا جديدًا؟
ولا يمكنني هنا أن أتجاهل برنامج الإعلامي المصري أحمد طه؛ فقد كان، بالنسبة إلى كثير من المشاهدين، أحد الوجوه الإعلامية التي ارتبطت بالحوار الجريء والحضور المختلف. وكان برنامجه يحظى بمتابعة واسعة وانتظار من جمهوره.
فلماذا غاب هذا النوع من البرامج؟
وهل تعتقد إدارة القناة أن المشاهد العربي لم يعد بحاجة إلى تلك المساحة الجريئة من النقاش؟
إن المشكلة، في رأيي، ليست في الجزيرة كاسم أو مؤسسة، وإنما في المسافة التي بدأت تتسع بين الجزيرة التي عرفناها والجزيرة التي نشاهدها اليوم.
وإذا كانت هناك مؤشرات حقيقية على تراجع نسب المشاهدة، فإن المطلوب ليس تجاهلها أو التعامل معها باعتبارها مجرد موجة عابرة، وإنما دراستها بموضوعية وشفافية؛ لأن الإعلام الذي لا يصغي إلى جمهوره يفقد، مع مرور الوقت، جزءًا من قوته وتأثيره.
والأمر ينطبق كذلك على بعض حلقات برنامج «نقاش الساعة»، الذي كان يمكن أن يكون مساحة نوعية للحوار السياسي والعسكري، لكنه يحتاج، في رأيي، إلى مراجعة جادة في اختيار الضيوف ومستوى التخصص وعمق الطرح، مع كامل الاحترام للآراء والشخصيات المشاركة.
لقد أصبح المشاهد العربي أكثر وعيًا من أي وقت مضى.
لم يعد يقبل أن يُعامل باعتباره مجرد متلقٍ.
إنه يريد أن يفهم:
لماذا حدث هذا؟
وإلى أين يتجه المشهد؟
وما السيناريوهات المحتملة؟
ومن المستفيد؟
وما الذي لا تقوله عناوين الأخبار؟
وهنا تكمن قوة الجزيرة التي أحببناها.
لقد كانت الجزيرة بالنسبة إلى كثير من العرب رئة إعلامية يتنفس من خلالها أصحاب الرأي، ومنبرًا للأصوات المختلفة، ومساحة للحوار الذي يتجاوز البيانات الرسمية والخبر التقليدي.
واليوم، عندما يجد المشاهد نفسه مضطرًا للبحث عن التحليل في قنوات أخرى مثل TRT عربي أو العربي القطريه أو غيرها، فهذه ليست مشكلة المشاهد وحده، بل ينبغي أن تكون إشارة تستحق التوقف والمراجعة داخل المؤسسة الإعلامية نفسها.
ومع ذلك، ما زلنا نرى في الجزيرة أسماء إعلامية متميزة، ومن بينهم خديجة بن قنة ومحمد كريشان، وهما من الوجوه التي ما زالت تحتفظ بحضور مهني وجماهيري لافت.
لذلك، فإن هذه الكلمات ليست دعوة إلى هدم الجزيرة، ولا شماتة في مؤسسة إعلامية عربية لها تاريخها وتأثيرها.
بل هي صرخة محب ومشاهد عربي أردني يقول:
نحن لا نريد قناة جديدة.
ولا نريد نسخة أخرى من القنوات الموجودة.
نريد الجزيرة التي أحببناها.
نريد الجزيرة التي كانت تبحث عن الخبر قبل أن يبحث الخبر عنها.
نريد الجزيرة التي كانت تمنح التحليل قيمة، والاختلاف مساحة، والمشاهد احترامًا.
نريد الجزيرة التي جعلت الملايين يشعرون أن هناك شاشة عربية تستطيع أن تقول ما لا تقوله الشاشات الأخرى.
إلى إدارة الجزيرة:
راجعوا أنفسكم، اسمعوا جمهوركم، واقرأوا تعليقات المشاهدين، وقارنوا بين الجزيرة التي صنعت تاريخًا إعلاميًا والجزيرة التي يشاهدها الجمهور اليوم.
فالإعلام العظيم لا يخشى النقد.
والمؤسسة الإعلامية القوية لا تنزعج من الأسئلة الصعبة.
والجزيرة التي عرفناها كانت دائمًا قوية لأنها لم تكن تخشى الأسئلة الصعبة.
لذلك نقولها بكل محبة وصدق:
أعيدوا إلينا جزيرتنا.
أعيدوا إلينا الجزيرة التي أحببناها وعشقناها منذ ربع قرن.
أعيدوا إليها روحها، وجرأتها، وتحليلها، وتنوعها، ومهنيتها.
فما زال في قلوب الملايين مكان للجزيرة التي عرفناها... ولكننا نريد أن نراها من جديد.
























