وائل منسي يكتب: البلدية.. المدرسة الأولى للعمل العام
نبأ الأردن -
العمل البلدي لم يكن يومًا مجرد إدارة للنفايات والطرق والإنارة والرخص والخدمات؛ بل هو أقرب نقطة تماس بين المواطن والدولة، وأحد أهم المختبرات العملية لتكوين القيادة العامة.
ففي البلدية يتعلم الشاب السياسة بعيدًا عن التنظير: يستمع إلى الناس، يواجه مشكلاتهم اليومية، يتفاوض حول الأولويات، يدير الموارد المحدودة، ويتحمل مسؤولية القرار ونتائجه.
وهناك، في الشارع والحي والسوق والقرية والمدينة، تُبنى الثقة أو تُفقد، وتتكوّن السمعة على أساس الإنجاز والمعايشة لا على أساس الخطاب وحده.
ولهذا لم يكن غريبًا أن تكون البلديات في تجارب ديمقراطية مختلفة محطة مبكرة في مسيرة عدد من القادة السياسيين؛ ومن أبرز الأمثلة جاك شيراك في باريس ورجب طيب أردوغان في إسطنبول، حيث وفّرت الإدارة المحلية لهما مساحة عملية للتعامل مع قضايا المدن ومطالب السكان قبل الانتقال إلى أدوار وطنية أوسع.
وفي الأردن، تبدو التجربة أكثر وضوحًا في مراحل سابقة، ولا سيما في ثمانينيات القرن الماضي، عندما شكّلت المجالس البلدية إحدى البيئات المهمة التي أفرزت قيادات انتقلت لاحقًا إلى مجلس النواب ومواقع عامة متقدمة.
ومن بين الأسماء التي ارتبطت بهذه التجربة د. عبد الرزاق طبيشات، وعبد الرزاق النسور، وفواز الزعبي، وعبد الرؤوف الروابدة، وممدوح العبادي، إلى جانب أسماء أخرى.
والآن زهران ممداني رئيسا لبلدية نيويورك وقد حملة انتخابية اعتمدت على قضايا وحاجات الناس.
لكن القيمة الأهم للعمل البلدي لا تكمن فقط في كونه طريقًا إلى البرلمان؛ بل في كونه مدرسة تُعيد تعريف السياسة نفسها: من سياسة الشعارات إلى سياسة الحلول، ومن انتظار المنصب إلى خدمة المجتمع، ومن الحديث باسم الناس إلى العمل معهم.
ومن هنا، فإن الاستثمار في الشباب داخل البلديات ليس استثمارًا في الإدارة المحلية فحسب، بل في الجيل القادم من القيادات العامة.
فالشاب الذي يتعلم اليوم كيف يقرأ احتياجات حيه، ويحل مشكلة في بلدته، ويستخدم البيانات لفهم أولويات السكان، ويحاسب المجلس المحلي ويشارك في صناعة القرار، يمتلك غدًا أدوات أكثر واقعية للمشاركة في الشأن الوطني.
وقد تكون هذه هي الحلقة التي نحتاج إلى استعادتها: أن تبدأ السياسة من المكان الذي يعيش فيه الناس، لا من المنصة التي يتحدث منها السياسيون عنهم.
فالبلدية ليست نهاية الطريق السياسي؛ وفي كثير من التجارب، كانت بدايته الأكثر واقعية.

























