أحمد الطراونة يكتب: حدّ الدقيق… حين يُكتب التاريخ بالزيت والبارود

أحمد الطراونة يكتب: حدّ الدقيق… حين يُكتب التاريخ بالزيت والبارود
نبأ الأردن -
الطفيلة... ابنةُ أدوم، ظلّت وفيّة لعراقة أمّها، مدينة صغيرة كما تبدو على خرائط الجغرافيا، لكنها كبيرة على خرائط العروبة والوعي منذ أن شُيِّدت فيها أولى بيوت الطين، وكأنّ الطين نفسه كان يعرف أن هذه الأرض ستكون يوما شاهدة على فصل من فصول المجد.
كان أهلها، في مواسم الزيت، يقتطعون من "مونتهم" حصة لسرُج بيت المقدس، تُحمَل في جرار الزيت إلى القدس، في مشهد يختصر علاقة الأرض بالعقيدة، والرزق بالواجب. وحين أقبل جيش الثورة العربية الكبرى، لم يكن دخوله غريبا على الطفيلة، فقد وجد فيها امتدادا لروح عرفت العروبة قبل أن تُسمّى سياسة، وعاشت الكرامة قبل أن تُصبح شعارا. فكان رجالها من خير أجناده، وكانت نساؤها من خير النساء اللواتي جسّدن الشهادة بالحياة قبل أن تُجسّد بالدم.
من هذه الخلفية التاريخية والوجدانية، ينطلق فيلم «حدّ الدقيق»، بوصفه عملا سينمائيا يستعيد معركة مفصلية في تاريخ الأردن، ويعيد رسمها بلغة الصورة، لا كواقعة عسكرية فحسب، بل كملحمة مجتمع بأكمله، فهو لا يروي فقط اشتباكا دار في مرتفعات الطفيلة، بل يُقدّم سيرة مدينة قررت أن تكون في صف التاريخ، لا على هامشه.
في قلب الحكاية يقف الشيخ ذياب العوران، رجل يعرف أن الرسائل الكبرى تُحمل أحيانا همسا لا كتابة، يسلّم ابنه رسالة إلى قيادة الثورة، في مشهد يختزل الثقة، ويُجسّد معنى الأمانة حين تُصبح الكلمة سلاحا.
وفي المقابل، يتقدّم الأمير زيد بن الحسين وقواته نحو الطفيلة، في تناغم بين إرادة القيادة واستعداد الأهالي.
وهنا ينجح هذا العمل الإبداعي في إعادة تجسيد الحكاية، والشبكة الإنسانية العميقة: صبحي العمري، الضابط العربي الذي يخلع عنه ثقل الانتماء المفروض ليعود إلى أصله، ونايف الشوبكي، ابن الأرض الذي يرى في الغابة ميراثا لا حطبا لسكة الحديد، وعوفه، صانعة ملح البارود، التي تحوّل بيتها إلى معمل مقاومة، وترفض أن تتقاضى ثمنا لبارود يُصنع دفاعا عن الكرامة، وغزوة وعامر، حيث يتقاطع الحبّ مع الحرب، ويصبح الوعد ببيت صغير حافزا للقتال في معركة كبيرة...
لتكون مرتفعاتُ «حدِّ الدقيق» الشاهد على هذا النسيج الإنساني، وساحة للمواجهة في آن معًا، فتتحوّل الطبيعة إلى شريك في البطولة، ويغدو برد كانون حرفا آخر يجاور الزناد. وحين يُشعل الطورانيون، أبناءُ الاتحاد والترقّي، نيرانهم للتدفئة، ينحاز الضوءُ إلى الأرض، فيكشفهم لعيون تعرف تضاريس الجبال كما تعرف خطوط أكفِّها. هناك، بين صقيع الريح وصوت الرصاص، تتجلّى عبقرية المكان وأهله، فترسم الأرض مسارات النصر لأبنائها الذين تعرفهم، لتتحول المعركة إلى نقطة تحوّل في مسار الثورة العربية شمالا.

الفيلم، الذي عرضه التلفزيون الأردني، لا يحتفي بالنصر بوصفه مشهدا عسكريا فحسب، بل يقدّمه كثمرة تلاحم بين الأمير والمقاتل، بين الشيخ والراعي، بين المرأة التي تخبز والرجل الذي يقاتل. إنه فيلم هوية، يزاوج بين الوثيقة والملحمة، ويعيد الاعتبار لدور الطفيلة وأهلها في صناعة التاريخ الوطني، إنه عمل إبداعي أردني ينهل من الرؤية الوطنية في إعادة توثيق السردية الأردنية، ويضيء أحد المسارات المهمة للثورة العربية الكبرى، بدعم ورعاية هاشمية جعلت من الذاكرة مشروعا مستمرا.
هكذا تُكتب السرديّة الوطنيّة، لا تُروى الحكاية لتُحفظ في الأرشيف، بل لتُستعاد في الوجدان، فالطفيلة، التي كانت تقطع من زيتِها نورا للقدس، قطعت من دمِها نورا للأردن، فتحوّلت من مدينة صغيرة في الجغرافيا، إلى مدينة كبيرة في التاريخ.
في قلب النصّ يقف الكاتب الأردنيّ القدير محمود الزيودي، الذي صاغ الحكاية بوعي المؤرّخ وحسّ الشاعر، جامعًا بين الوثيقة والدراما، وبين التفاصيل الإنسانية والحدث العسكري. فكتب نصًّا يعرف كيف يُنصت إلى الأرض، ويمنح الشخصيات عمقها الإنساني، فتتحوّل الأسماء إلى رموز من دون أن تفقد صدقها البشري.
لتأتِ عين المخرج الفنان علاء ربابعة، فتترجم النصَّ إلى وثيقة بصرية نابضة، وذاكرة ينبغي أن تُصان، فاشتغل على المكان بوصفه بطلا مواز: المرتفعات، بردُ كانون، ضوء النيران، وملامح الرجال وهم يترقّبون الفجر. وبميزان دقيق بين الخيال والواقع، قدّم ربابعة العمل بوصفه تسجيلا حيًّا للذاكرة الوطنية، لا إعادة تمثيل لواقعة من الماضي.
ولعل السجل الإبداعي للمخرج هو من جعل هذه الصورة تتجلّى رغم شح الإمكانيات، وهو ما منحه الفرصة ليعيد اخراج قصة الفيلم كمسلسل إذاعي تنتجه الاذاعة الأردنية، ليكون أحد أهم الأعمال الدرامية في رمضان القادم.
والمسلسل يشارك فيه نخبة من الفنانين الأردنيين الذين أضفوا على الشخصيات روحها وصدقها، من بينهم: عبدالكريم القواسمي، ساري الأسعد، عبدالكريم الجراح، محمد الضمور، ماهر خماش، طارق الشوابكة، علاء الجمل، حسن درويش، نبيل نجم، محمد عواد، إلى جانب مجموعة كبيرة من الفنانين الذين شكّلوا معا لوحة تمثيلية متكاملة، حمل الروح الوطنية الأردنية الصادقة.
لذلك لم يكن احتفاءً بالسلاح بقدر ما هو احتفاءً بالإرادة، فهو يعيد الاعتبار لدور الأهالي الذين ساندوا جيش الثورة العربية الكبرى. لذلك فإنّ «حدّ الدقيق» ليس فيلمًا تاريخيًّا او مسلسل اذاعي فحسب، بل مشروع ذاكرة تُستعاد، وضوء على بدايات وطن يتشكّل.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions