د. عبدالله محمد القضاه يكتب: عجلون: نموذج الإدارة الحصيفة… هل حان وقت إعادة النظر في آليات القيادة المحلية؟
نبأ الأردن -
شهدت بلدية عجلون الكبرى، منذ تولي العميد المهندس المتقاعد محمد البشابشة رئاسة لجنتها المعينة، تحولاً ملحوظاً في مستوى الخدمات والأداء، يعكس رؤية إدارية منهجية وعملاً ميدانياً دؤوباً. هذه الإنجازات، التي يلمسها المواطن والزائر على حد سواء، تقدم نموذجاً عملياً يثري النقاش حول فعالية آليات اختيار رؤساء البلديات، وتؤكد على أهمية الكفاءة والخبرة في تحقيق التنمية المحلية المستدامة.
ثورة النظافة والإدارة البيئية: عجلون تتألق
كانت النظافة والإدارة البيئية على رأس أولويات البلدية، حيث تم تنفيذ خطة شاملة لجمع ونقل النفايات. ارتكزت هذه الخطة على زيادة عدد الضاغطات وتقسيم المدن إلى قطاعات محددة، مدعومة بنظام تتبع ذكي (GPS) لمراقبة كميات النفايات الموردة إلى محطات التحويل. وقد أسهم ذلك في ضمان دقة التنفيذ، ورفع كفاءة العمل، وتسريع الاستجابة للمشكلات البيئية. كما تم تعزيز البنية التحتية للنظافة بزيادة عدد الحاويات وتنظيم مواقعها، ودعم عمال الوطن ببرامج وقائية وتوعوية، وفرض رقابة ميدانية صارمة لمتابعة الأداء اللحظي.
تجاوزت جهود البلدية مجرد العمل الروتيني، فقد قادت حملات نظافة موسعة بالتعاون مع الهيئات ومؤسسات المجتمع المدني، مما عزز من مفهوم الشراكة المجتمعية في الحفاظ على البيئة. وفي خطوة نوعية، استُحدثت وحدة "البيئة السياحية” بهدف الحفاظ على المواقع التاريخية والسياحية في عجلون كعنوان للنظافة والجمال، مما يعكس وعياً بأهمية الربط بين البيئة والتنمية السياحية.
تحسين المشهد الحضري وتطوير البنية التحتية
لم يغفل برنامج البلدية الطموح عن أهمية تحسين المشهد الحضري والهوية البصرية للمدينة. فقد نفذت البلدية حملة واسعة شملت إزالة الأتربة والأنقاض والملصقات العشوائية من الشوارع والساحات، وتحويل الجدران الصماء إلى جداريات فنية تحكي هوية المكان وتاريخه. ترافقت هذه الجهود مع أعمال صيانة دقيقة للأرصفة وتقليم الأشجار وطلائها، وصولاً إلى تجميل وسط المدينة ومداخلها ومساراتها السياحية، وتأهيل المرافق العامة من أدراج ومظلات وحدائق، مما أضفى على المدينة طابعاً جمالياً وحيوياً.
وفي مجال الطرق، حظيت البنية التحتية بنصيب وافر من الخطة التنفيذية. تم تعبيد وفتح أكثر من 75 ألف متر مربع من الطرق الرئيسية والفرعية، بهدف تعزيز الربط الميداني بين مناطق البلدية والبلديات المجاورة. كان من أبرز هذه المشاريع تطوير شارع الصالوص في عنجرة، الذي يمثل "طريق المنتجع الاستشفائي”، كركيزة استراتيجية لدعم السياحة العلاجية ضمن المخطط الشمولي لمدينة عجلون. كما تضمنت الأعمال إنشاء عدد كبير من الجدران الاستنادية والسلاسل الحجرية لحماية الطرق ومنع انجراف التربة، حفاظاً على سلامة المستخدمين.
إدارة الأزمات والتحديث الإداري
بمنهجية استباقية تعكس خبرة قيادية، تبنت البلدية استراتيجية فعالة في إدارة الأزمات، رفعت من سقف الجهوزية لمواجهة التحديات. فمع اقتراب موسم الأمطار، أطلقت البلدية خطة طوارئ شاملة سخرت فيها كافة إمكانياتها لتنظيف مجاري الأودية وفتح العبارات وجرلات التصريف في مختلف المناطق. وتجسدت هذه الخطة ميدانياً عبر إنشاء قنوات وأطاريف لتوجيه السيول في البؤر الساخنة، ورفدها بعبارات جديدة لضمان تصريف المياه، بالتوازي مع تأهيل وصيانة الآليات والمعدات لضمان الاستجابة اللحظية، في سعي دؤوب لتحصين المدينة وحماية الأرواح والممتلكات من أي تداعيات جوية.
ولضمان بيئة صحية آمنة، نفذت البلدية جولات رقابية مكثفة على الأسواق والمحال التجارية، نتج عنها العديد من الإنذارات والإغلاقات لضمان سلامة الغذاء ومطابقته للمعايير. بالإضافة إلى ذلك، تم تنفيذ حملات رش وتعقيم في مناطق البلدية، ومبادرات توعوية وشراكات مجتمعية تضع صحة المواطن وحماية المكان في مقدمة أولوياتها.
استجابة لرؤية المملكة في التحديث الإداري، أحدثت البلدية قفزة نوعية في بنيتها المؤسسية عبر تفعيل نظام المعلومات الجغرافية (GIS) الشامل لمناطق البلدية الخمس، وإطلاق براءة الذمة الإلكترونية، وتعزيز أنظمة الربط الرقمي والبصمة. بالتوازي مع هذا التطور التقني، شهد الوضع المالي إدارة حكيمة ساهمت في تحقيق توازنات وتسويات مالية مع بنك تنمية المدن والقرى والمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي. كما تم ترشيد النفقات وزيادة الإيرادات بكفاءة عالية، وإطلاق حملات توعوية لحث المواطنين على الاستفادة من الإعفاءات الضريبية.
الشراكة المجتمعية والتنمية المستدامة: بناء المستقبل
في مجال الشراكة المجتمعية والتنمية المستدامة، جسّدت البلدية مفهوم التنمية المحلية عبر شراكات فاعلة، من منطلق الإيمان العميق بأن المواطن هو الشريك الأول في مسيرة البناء. فمن غرس قيم النظافة في أجيال المدارس من خلال مبادرة "بصمة جيل” بالتعاون مع مجلس شباب عجلون، إلى ترسيخ ثقافة السلامة العامة بالتعاون مع الدفاع المدني في مبادرة «شتاء آمن» وغيرها، تمضي بلدية عجلون الكبرى في بناء وعي يحمي المكتسبات، ويحوّل المسؤولية المجتمعية إلى سلوك يومي يعزز نظافة البيئة.
وبمنهجية تجمع بين الاستثمار في الإنسان والمكان، تبرز شراكة القرية الحضرية التابعة للبلدية ومركز زها الثقافي كمنصة لتنمية المواهب المجتمعية. يترافق ذلك مع تنفيذ برامج تدريبية مكثفة لرفع كفاءة موظفي البلدية، بهدف تعزيز التميز المؤسسي وضمان تقديم خدمات مهنية تواكب معايير الجودة والحداثة.
رؤية مستقبلية طموحة
إن ما تحقق من إنجازات اليوم ليس إلا حجر الأساس لرؤية غد أكثر طموحاً؛ حيث تمضي بلدية عجلون الكبرى بثبات نحو استكمال منظومة مشاريعها الاستراتيجية. ففي الأفق، يبرز استكمال مشروع سوق ريف عجلون السياحي لتسويق المنتجات الريفية لأهالي المنطقة وأصحاب المشاريع الصغيرة، بالإضافة إلى تسهيل مهمة وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة لإنشاء مركز للخدمات الحكومية. كما تتضمن الخطط المستقبلية البدء بتشييد مبنى جديد للبلدية، وإنشاء حديقة عامة كمركز ترفيهي متكامل ونابض بالحياة، وإنشاء سوق خضار نموذجي لأصحاب البسطات في منطقتي عجلون وعنجرة، وتنظيم مواقف ومسارات مجمع السفريات في قلب عجلون. بخطى واثقة ومشاريع ممتدة، تؤسس البلدية لمستقبل مستدام يليق بعظمة عجلون ويحقق تطلعات أبنائها جيلاً بعد جيل.
دعوة للتأمل: التعيين كخيار استراتيجي
لم تكن هذه الإنجازات إلا بداية لعمل نوعي ومستمر. وبروح الفريق الواحد، تسعى بلدية عجلون الكبرى للارتقاء بمدينة تعتز بتاريخها وتستجيب لطموحات المستقبل. وفي هذا السياق، نرى أهمية في دعوة الحكومة لدراسة إنجازات رؤساء لجان البلديات المعينين ومقارنتها بإنجازات من سبقهم من المنتخبين. إن نتائج مثل هذه الدراسة يمكن أن تكون مدخلاً مهماً في تعديل قانون الإدارة المحلية، والنظر في إمكانية تعيين رؤساء بلديات مراكز المحافظات بدلاً من الانتخاب، خاصة وأن مصلحة الوطن والمواطن هي الأهم. كما نقترح على معالي وزير الإدارة المحلية إطلاق جائزة "رئيس البلدية المتميز” لتكريم هؤلاء المبدعين الذين لمس المواطن إنجازاتهم، وتكريم فرق العمل ومدراء المناطق المتميزين، لتحفيز التميز في الأداء البلدي على مستوى المملكة.
أمين عام سابق

























