د. وليد العريض يكتب:العكّوب… سيرةُ الأرض بين فلسطين والأردن
نبأ الأردن -
"من كروم سلفيت وحواكيرها إلى جبال إربد وجرش وعَمّان والسلط ومادبا: حكاية جيل أمّهاتنا وجيلنا والأجيال الجديدة"
لوحة الفنان: محمد الدغليس
كلمات: د. وليد العريض
......
لم يكن العكّوب نبتةً شوكيّةً فحسب، بل كان سيرةَ بيت وذاكرةَ أرض وجسرًا خفيًّا يصل بين فلسطين والأردن، بين جيل أمّهاتنا وجيلنا وبين زمنٍ عاشته القلوب وزمنٍ صار يُباع في الأسواق.
في كروم سلفيت وحواكيرها الصغيرة، التي كانت أكبر من مدنٍ كاملة، كانت أمّهاتنا يمشين بين الزيتون كأنهنّ جزءٌ من الجذع.
لم تكن الأرض شيئًا خارجهنّ، بل امتدادًا لأكفّهنّ وملامحًا أخرى لوجوههنّ المتعبة الواثقة.
هناك كان الزيتون أخًا والحصيدة عرسًا صيفيًّا تعبق فيه السنابل والخضروات بنت الحاكورة والعكّوب صديق الربيع العنيد.
كانت الأمّ تخرج مع الفجر، تشدّ منديلها الأبيض وتسير نحو الجبل بثباتٍ لا يعرف التردّد. لم تكن تركض خلف العكّوب؛ كان يخرج لها كما يخرج الطفل لأمّه. تعرف مكانه وتعرف زمانه، وتعرف أن البركة ليست في التخزين، بل في القناعة.
لم تكن هناك ثلاجات ولا فريزرات. كان اليوم يكفي يومه وكانت الأمّ تكفي العالم.
تجمع الزيتون حبّةً حبّة وتغسل الخضار من ترابها كأنها تغسل تعب الأيام وتقف في الحصيدة بين السنابل فتبدو أكبر من الحقل نفسه. ثم تعود لتخبز على التنور وتسكب الزيت الذهبي على الخبز الساخن، فنأكل… ونشعر أن الحياة ما زالت بخير.
ثم جاء جيلنا.
حملنا سلفيت في صدورنا، وسرنا نحو جبال إربد وجرش وعَمّان والسلط ومادبا. صرنا نركض خلف العكّوب كما نركض خلف الذاكرة. نصعد سفحًا في جرش ونهبط واديًا في عجلون ونقول: هنا تشبه أرضنا… هنا تشبه الرائحة بيتنا القديم.
كلما انحنيتُ لأقطف عكّوبًا في جبال الأردن، أشعر أنني أنحني أمام ظلّ أمّي في سلفيت. كل شوكةٍ ألمسها تذكّرني بأصابعها وهي تنقّيه بصبرٍ لا ينتهي. كل رائحة زيتٍ تسيل على طبقي تعيدني إلى حاكورةٍ كانت تختصر العالم.
ومنذ سنوات، أخرج أنا وأمّ خلدون كل ربيعٍ لنلتقط حاجتنا، نعرف مكانه وزمانه ونسمي سفحه "بيت العكّوب”. لا لأننا نبحث عن نبتة، بل لأننا نبحث عن أمّ تمشي أمامنا في الجبل.
أما الأجيال الجديدة فترى العكّوب في السوق، مرصوصًا، مغسولًا، غالي الثمن… بلا حكاية. لا تعرف كم فجراً بارداً خرجت فيه أمّ ولا كم شوكةً جرحت يدها ولا كم دعاءً خبأته في صدرها وهي تطبخ.
جيل أمّهاتنا كان يعيش الأرض.
جيلنا يحمل الأرض.
وأجيال اليوم تحتاج أن تتعلّم كيف تحبّ الأرض.
العكّوب بين فلسطين والأردن ليس طبقًا مشتركًا فحسب، بل ذاكرةٌ مشتركة. جبال سلفيت تشبه جبال عجلون، وظلّ الزيتون يمتدّ من فلسطين إلى السلط ومادبا، وكأن الجغرافيا تهمس: أنتم أبناء ترابٍ واحد.
رحم الله أمّهاتنا…
في سلفيت وفي إربد وفي جرش، وفي عَمّان، وفي السلط ومادبا، وفي كل جبلٍ صعدته امرأةٌ لتطعم أبناءها.
تركْن فينا حبّ الأصالة والنظافة التي تبدأ من القلب والكرم الذي لا يُقاس بكثرة الأطباق بل بصدق النيّة.
ويبقى العكّوب شوكًا أخضر يصل بين جيلين، بين كروم فلسطين وجبال الأردن، بين أمّ رحلت، وابنٍ ما زال ينحني للأرض ليقول لها:
ما زلنا هنا…
نحمل وصيّتكنّ،
ونطبخ الذاكرة بالحبّ.

























