د. ماجد الخواجا يكتب: تجارة المؤتمرات
نبأ الأردن -
طفت على ساحات المجتمعات كثير من الطفيليات والحربائيات الانتهازية التي تمتص كل رحيق لنبتة أو نشاط مجتمعي فاعل، فيبهت ويتلاشى دوره الحقيقي ليصبح مجرّد أداة من أدوات الإحتيال والنصب، مع تفريغه من أية مضامين أو معاني أو قيم خاصة. والحديث عن انتهازية ما تدعى زوراً بالمؤتمرات.
تطالعنا يومياً دعوات عبر مختلف وسائل التواصل الإجتماعي بعقد مؤتمر علمي دولي متعدد التخصصات شامل جامع مانع، مع ديباجة زاهية الألوان لرعاة بأسماء جامعات لم يسمع بها إلا من ذكر إسمها، كالجامعة النيبالية النيجيرية الدولية، جامعة الجمعية العالمية للبحوث الدولية، جامعة السلام وحقوق الإنسان الصومالية اليمنية، جامعة الشرق الغربي لجنوب آسيا، جامعة الأصدقاء الأعداء، وهكذا، لكن ومع الشعور بالعوائد المادية المجزية، وحاجة المفترسين لجدار علمي رصين، فقد أقحمت الجامعات العريقة بمثل هذه المؤتمرات الإحتيالية. فأصبحنا نطالع الدعوات لمؤتمرات تحت رعاية الجامعة الفلانية ذات التاريخ الغابر والمكانة المرموقة. لكن بخطٍّ صغير في أسفل الإعلان يظهر إسم غريب مزخرف لجمعية أو منظمة أو هيئة أو رابطة أو منتدى أو أكاديمية، مع ضرورة إبراز أنها مرخصة ومتواجدة في دولة أوروبية مثل السويد أو النرويج أو هولندا أو بلجيكا.
منذ دخول برامج ومنصات الإجتماعات الإفتراضية وأبرزها:
Zoom، Microsoft Teams، Google Meet، Cisco WebEx، Slack، Go To Meeting، Zoho Meeting، Free Conference Call، Skype، لقطاعات التعلّم والتعليم، فقد تفتقت كالعادة ذهنية الجشعين وبنهم لفكرة عقد المؤتمرات والندوات "عن بعد"، وهذه الفكرة فتحت الطريق وأتاحت المجال لإنضمام مئات الباحثين عن بعد، دون تحمّل الجهة المنفّذة أية تكاليف وأية أمور من استقبال وتوديع، وغداء وعشاء، وإقامة وتأشيرة، وطيران ونقل، وحجز فنادق وقاعات. يكفي مجرّد دفع رسوم الاشتراك التي تتفاوت بين طمّاع وأفذاق، لتتراوح ما بين ( 50-250 دولار) للمشارك الواحد عن بعد. وتزداد الرسوم في حال النشر بإحدى المجلات المفترسة التي تمارس ذات الدور الإحتيالي، ليتم طبخ جلسات المؤتمر في نهارٍ واحدٍ بعد توزيع المشتركين على غرف أو قاعات الجلسات الإفتراضية، جلسات متتالية سريعة تنتهي بتسليم شهادات إلكترونية ممهورة بشعارات وأسماء جامعات لا وجود لها في الواقع، مع أسماء لمنظمات او جمعيات او مراكز بأسماء طنّانة رنّانة، وتذييلها بأن الشهادات صادرة من دولة أوروبية. وطبعاً يمكن استكمال الاحتيال بتصدير الشهادات بلغة غير عربية. حتى تكتمل عمليات النصب جيداً.
مؤتمرات تملأ الفضاء السيبراني طيلة الوقت، مع عضويات للجان تحضيرية وإعلامية وعلمية وعليا واستشارية تضم اللجنة أسماء عشرات الأساتذة الأجلاء الذين يتم استخدام أسمائهم وقيمتهم العلمية بهذا الشكل المعيب.
إنها سوق نخاسة بمسميات علمية وبغطاءات تختبئ خلفها من أسماء جامعات مرموقة وعريقة. يتم ىمنح الجامعات نسبة متواضعة من الريع، أو كمتحدث رئيس، وكل هذا يجري دون حسيب أو رقيب.
مؤتمر يزعم أنه يتناول التحديات والرهانات والمآلات واستشرافات المستقبل، فيضم أكثر من 300 باحث غالبيتهم يشاركون ببراءة وحسن نوايا ولا علاقة لهم بكل ما أوردناه أعلاه، فيقومون بتحويل الرسوم بإسم شخص محدد، وليس بإسم جامعة أو جهة رسمية واضحة، لتضخ هذه التحويلات في جيوب المفترسين الذين يكونوا لا يتجاوزون عدد أصابع اليد الواحدة، وينتهي المولد الإفتراسي، ليبدأ التفكير من جديد في استغفال واستهبال جديدين.
هناك من احترف الموضوع إلى درجة أنه يتعامل مع الحكاية كمواسم ومناسبات، بحيث يعقد مفترساً في كل فصل، أو في مناسبات وطنية أو عبر توطيد علاقات مع السفارات والملحقيات والهيئات ذات العلاقة.
وما زال جراب الحاوي يكتظ بقصص الاحتيال والإفتراس. فقط المطلوب اسم لمنظمة أو جمعية، وتطبيق إلكتروني بإسم المنظمة، وحساب عبر منصات الإجتماعات الإفتراضية. وحتى عندما يتم عقد المؤتمرات حضورياً، فهي أصبحت تجارة رائجة مجزية يتم تنفيذها في يومٍ وبرعاية متاحة مع عدم تكلّف أية نفقات، فهي مسقطة على عاتق المشاركين المساكين.
























