نضال المجالي يكتب: الأمن مسؤولية، والوقاية قرار، وبناء الإنسان واجب وطني
نبأ الأردن -
وهنا يبرز السؤال الأهم: ما الذي يجعل بعض الأفراد أكثر قابلية للاستقطاب؟ وما مسؤولية الدولة والمجتمع في الحد من الظروف التي تستغلها الجماعات المتطرفة؟
قال لي صديق يتمتع بوعي عميق عبارة تستحق التأمل: "عندما يكون الفرد عاملا، مشغولا بمتطلبات حياته اليومية، فإن أقصى طموحه أن يعود إلى منزله وينعم بنوم مريح، ويستقبل يومه التالي بكرامة واطمئنان. أما عندما يجد نفسه أسير الفراغ والإقصاء وقلة الحيلة وغياب الاهتمام، فقد يقبل أول يد تربت على كتفه وتمنحه شعورا بالقيمة والانتماء".
هذه العبارة تختصر جانبا مهما من المشكلة. فالعمل الكريم، والشعور بالعدالة، وتكافؤ الفرص، ووجود أفق للمستقبل، كلها عوامل تعزز الانتماء الوطني. أما البطالة والتهميش وانسداد الفرص وضعف الثقة بالمؤسسات، فقد تتحول إلى ثغرات تستغلها الجهات المتطرفة في التجنيد والتعبئة.
ولا يعني ذلك أن الفقر يصنع الإرهاب، أو أن الفراغ يقود حتما إلى التطرف؛ فالعوامل المؤدية إلى هذه الظواهر متعددة ومتداخلة. لكن تجاهل الظروف الاجتماعية والاقتصادية والفكرية التي يمكن استغلالها ليس إلا قصورا في التشخيص، وعجزا عن بناء سياسة وقائية فعالة.
وهنا تقع على الدولة مسؤولية أساسية لا يجوز الالتفاف عليها أو اختزالها في الجانب الأمني. فالدولة مسؤولة عن السياسات العامة، وعدالة الفرص، وكفاءة المؤسسات، وحماية الحقوق، وتوفير بيئة تتيح للمواطن العمل والمشاركة والشعور بالانتماء. ويقابلها أشد العقوبات للمتطرف والإرهابي وأركان إسناده وأدوات بنائه.
إن مكافحة التطرف تبدأ من المدرسة والجامعة ومكان العمل والأسرة وحتى من داخل السجن لمن جرّم بفعل، كما تبدأ من مؤسسات الدولة التي ينبغي أن تسمع للمواطن، وتستجيب لمطالبه، وتحارب الفساد والمحسوبية، وتضمن تكافؤ الفرص، وتفتح أمام الشباب مسارات حقيقية للمشاركة والإنتاج. فالأمن المستدام لا يتحقق بالردع وحده، بل ببناء مجتمع يشعر أفراده بأن لهم مكانا ومستقبلا في وطنهم.
وفي المقابل، فإن تحميل الدولة مسؤوليتها لا يعني تبرير الإرهاب أو إعفاء الفرد من مسؤوليته القانونية والأخلاقية. فالظروف لا تبرر العنف ولا حتى التطرف ولا تمنح أحدا حق تهديد المجتمع. والمواجهة الرشيدة هي التي تجمع بين الحزم في تطبيق القانون، والجدية في معالجة الأسباب، والتمييز بين الاختلاف الفكري والتطرف والتحريض والجريمة الإرهابية.
أما منظّرو الشاشات، الذين يرفعون شعارات الحزم ويوزعون النصائح وبيانات الشجب والاستنكار من مواقع الراحة، فالسؤال الموجه إليهم بسيط: ماذا قدمتم على أرض الواقع؟ كم مشكلة ساهمتم في حلها؟ وكم فرصة فتحتم أمام شاب فقد الأمل؟ وكم سياسة راجعتم بموضوعية بدلا من تكرار الخطاب ذاته مع كل حادثة؟ وأجزم أنّ أي مواطن منا قادر على تعداد من قفزوا فوقهم بتذكرة مرور منحت لغيرهم تجاوزا منكم يوما بحقهم.
ليس صعبا أن نطالب بالحزم بعد وقوع الخطر، وهناك كثيرون كتبوا وعلقوا حول ذلك، لكن الصعب أن نمنع أسبابه قبل وقوعه. وليس إنجازا أن نكرر أن الإرهاب عدو الوطن؛ فالإنجاز الحقيقي أن نغلق الأبواب التي يحاول النفاذ منها، وأن نبني مؤسسات تحظى بثقة الناس، وأن نحول مكافحة التطرف من ردود أفعال موسمية إلى سياسة وطنية مستمرة، تخضع للتقييم والمساءلة.
ومن هنا اخترت الكتابة ليس في الحدث بل بما يستوجب العمل به لعدم التكرار ولتجفيف منابع ما يسهل مهام الباحثين عن الخراب لعنهم الله وشلّ فكرهم وأيديهم، فالمطلوب ليس مزيدا من التصريحات، بل برنامج عمل واضح حقيقي يقوم على محاور أساسية:
- التشغيل والتمكين الاقتصادي: توفير فرص عمل حقيقية، وتوسيع التدريب المهني، وتعزيز تكافؤ الفرص، خصوصا بين الشباب. وأن تكون نتيجة كل ذلك فرصة عمل حقيقية لا رقما يعرض على شاشة في حفل افتتاح رسمي.
- العدالة وتعزيز الثقة: معالجة المظالم والشكاوى، ومكافحة الفساد والمحسوبية، وتوسيع المشاركة في الحياة العامة. وأن تكون نتيجة ذلك سماع وملاحظة تغير حقيقي لمواطن طالب بحقه.
- الوقاية والتوعية: تطوير وتعديل القوانين الضابطة إلى جانب تطوير دور المؤسسات التعليمية والإعلامية والمجتمعية في تعزيز التفكير النقدي، ومواجهة التحريض وخطاب الكراهية.
- التنسيق المؤسسي: توحيد الجهود الوقائية بين الجهات الحكومية والأمنية والتربوية والاجتماعية، مع احترام القانون والحقوق الفردية. وأن تكون نتيجة ذلك إدارة أزمة واضحة ولغة محكمة في مخاطبة الجمهور كما سمعتها بالعلامة الكاملة مؤخرا من عطوفة مدير الأمن العام.
- المتابعة والمساءلة: تحديد مسؤوليات الجهات المعنية، ووضع مؤشرات قابلة للقياس، وتقييم النتائج الفعلية بدلا من الاكتفاء بإعلان المبادرات.
ويجب ألا تبقى هذه المقترحات حبيسة الأوراق والاجتماعات، بل ينبغي أن تتحول إلى خطط محددة بميزانيات وجداول زمنية ومسؤوليات معلنة، مع مراجعة دورية لنتائجها. فالمعيار الحقيقي لنجاح السياسات ليس عدد البرامج التي نطلقها، بل أثرها في حياة الناس، وقدرتها على تعزيز الثقة بالمؤسسات وتقليص مواطن الهشاشة التي قد تستغلها الجماعات المتطرفة.
إن الوطنية ليست خطابات مرتفعة النبرة، ولا مزايدات في الولاء، ولا اتهامات جاهزة للمجتمع. الوطنية مسؤولية وعمل ونتائج. ومن يتحدث عن الأمن الوطني عليه أن يدرك أن حماية الوطن تبدأ بحماية الإنسان، وأن هيبة الدولة تترسخ بعدالة مؤسساتها، وأن الاستقرار المستدام يُبنى بالثقة والإنصاف وسيادة القانون، لا بالخوف وحده.
فلنسمِّ الأمور بمسمّياتها: الإرهاب جريمة تستوجب الحزم، والتطرف خطر يستوجب المواجهة، والإقصاء والبطالة وانسداد الأفق مشكلات تستوجب المعالجة، والتقصير في السياسات العامة يستوجب المساءلة.
فالأوطان لا يحميها الصراخ من فوق الشاشات، ولا تنقذها الشعارات التي تنتهي بانتهاء البرامج. يحميها عمل جاد، ودولة تتحمل مسؤولياتها، ومجتمع متماسك، ومواطن يشعر بأن كرامته مصونة ومستقبله ليس مغلقا.
من يريد مكافحة الإرهاب حقا، فليتوقف عن الاكتفاء بإدانة نتائجه، وليبدأ بمعالجة أسبابه القابلة للمعالجة. ولا نقول فوق كل ذلك إلا الدعاء بأن يرحم الله شهداء الوطن وأن يحمي ويحرس الوطن والقائد والشعب من كل سوء.
الإرهاب لا يولد من فراغ، والتطرف لا يُواجَه بالشعارات. فزعزعة الأمن والاستقرار من أبرز غايات التنظيمات الإرهابية، التي تعمل ضمن منظومات تستثمر الأزمات والانقسامات ومواطن الضعف في المجتمعات لتحقيق أهدافها. لكن السؤال الذي ينبغي أن نواجهه بوضوح هو: كيف تتشكل البيئة التي تسمح للتطرف بالنمو؟ ومن المسؤول عن معالجة أسبابها قبل أن تتحول إلى تهديد لأمن الوطن واستقراره؟
منهجيا، يجب التمييز بين التطرف بوصفه توجها فكريا يتسم بالتشدد ورفض الآخر، والإرهاب بوصفه ممارسة تقوم على العنف أو التهديد به لتحقيق غايات معينة، وبث الخوف وتقويض استقرار المجتمع والدولة. فليس كل متطرف إرهابيا، وليس كل من يعاني الفقر أو التهميش قابلا للتطرف، لكن الجماعات الإرهابية قد تستغل الإحباط والإقصاء وانسداد الأفق لاستقطاب الأفراد وتحويلهم إلى أدوات في مشروع يستهدف الوطن ومؤسساته وأمن مواطنيه.وهنا يبرز السؤال الأهم: ما الذي يجعل بعض الأفراد أكثر قابلية للاستقطاب؟ وما مسؤولية الدولة والمجتمع في الحد من الظروف التي تستغلها الجماعات المتطرفة؟
قال لي صديق يتمتع بوعي عميق عبارة تستحق التأمل: "عندما يكون الفرد عاملا، مشغولا بمتطلبات حياته اليومية، فإن أقصى طموحه أن يعود إلى منزله وينعم بنوم مريح، ويستقبل يومه التالي بكرامة واطمئنان. أما عندما يجد نفسه أسير الفراغ والإقصاء وقلة الحيلة وغياب الاهتمام، فقد يقبل أول يد تربت على كتفه وتمنحه شعورا بالقيمة والانتماء".
هذه العبارة تختصر جانبا مهما من المشكلة. فالعمل الكريم، والشعور بالعدالة، وتكافؤ الفرص، ووجود أفق للمستقبل، كلها عوامل تعزز الانتماء الوطني. أما البطالة والتهميش وانسداد الفرص وضعف الثقة بالمؤسسات، فقد تتحول إلى ثغرات تستغلها الجهات المتطرفة في التجنيد والتعبئة.
ولا يعني ذلك أن الفقر يصنع الإرهاب، أو أن الفراغ يقود حتما إلى التطرف؛ فالعوامل المؤدية إلى هذه الظواهر متعددة ومتداخلة. لكن تجاهل الظروف الاجتماعية والاقتصادية والفكرية التي يمكن استغلالها ليس إلا قصورا في التشخيص، وعجزا عن بناء سياسة وقائية فعالة.
وهنا تقع على الدولة مسؤولية أساسية لا يجوز الالتفاف عليها أو اختزالها في الجانب الأمني. فالدولة مسؤولة عن السياسات العامة، وعدالة الفرص، وكفاءة المؤسسات، وحماية الحقوق، وتوفير بيئة تتيح للمواطن العمل والمشاركة والشعور بالانتماء. ويقابلها أشد العقوبات للمتطرف والإرهابي وأركان إسناده وأدوات بنائه.
إن مكافحة التطرف تبدأ من المدرسة والجامعة ومكان العمل والأسرة وحتى من داخل السجن لمن جرّم بفعل، كما تبدأ من مؤسسات الدولة التي ينبغي أن تسمع للمواطن، وتستجيب لمطالبه، وتحارب الفساد والمحسوبية، وتضمن تكافؤ الفرص، وتفتح أمام الشباب مسارات حقيقية للمشاركة والإنتاج. فالأمن المستدام لا يتحقق بالردع وحده، بل ببناء مجتمع يشعر أفراده بأن لهم مكانا ومستقبلا في وطنهم.
وفي المقابل، فإن تحميل الدولة مسؤوليتها لا يعني تبرير الإرهاب أو إعفاء الفرد من مسؤوليته القانونية والأخلاقية. فالظروف لا تبرر العنف ولا حتى التطرف ولا تمنح أحدا حق تهديد المجتمع. والمواجهة الرشيدة هي التي تجمع بين الحزم في تطبيق القانون، والجدية في معالجة الأسباب، والتمييز بين الاختلاف الفكري والتطرف والتحريض والجريمة الإرهابية.
أما منظّرو الشاشات، الذين يرفعون شعارات الحزم ويوزعون النصائح وبيانات الشجب والاستنكار من مواقع الراحة، فالسؤال الموجه إليهم بسيط: ماذا قدمتم على أرض الواقع؟ كم مشكلة ساهمتم في حلها؟ وكم فرصة فتحتم أمام شاب فقد الأمل؟ وكم سياسة راجعتم بموضوعية بدلا من تكرار الخطاب ذاته مع كل حادثة؟ وأجزم أنّ أي مواطن منا قادر على تعداد من قفزوا فوقهم بتذكرة مرور منحت لغيرهم تجاوزا منكم يوما بحقهم.
ليس صعبا أن نطالب بالحزم بعد وقوع الخطر، وهناك كثيرون كتبوا وعلقوا حول ذلك، لكن الصعب أن نمنع أسبابه قبل وقوعه. وليس إنجازا أن نكرر أن الإرهاب عدو الوطن؛ فالإنجاز الحقيقي أن نغلق الأبواب التي يحاول النفاذ منها، وأن نبني مؤسسات تحظى بثقة الناس، وأن نحول مكافحة التطرف من ردود أفعال موسمية إلى سياسة وطنية مستمرة، تخضع للتقييم والمساءلة.
ومن هنا اخترت الكتابة ليس في الحدث بل بما يستوجب العمل به لعدم التكرار ولتجفيف منابع ما يسهل مهام الباحثين عن الخراب لعنهم الله وشلّ فكرهم وأيديهم، فالمطلوب ليس مزيدا من التصريحات، بل برنامج عمل واضح حقيقي يقوم على محاور أساسية:
- التشغيل والتمكين الاقتصادي: توفير فرص عمل حقيقية، وتوسيع التدريب المهني، وتعزيز تكافؤ الفرص، خصوصا بين الشباب. وأن تكون نتيجة كل ذلك فرصة عمل حقيقية لا رقما يعرض على شاشة في حفل افتتاح رسمي.
- العدالة وتعزيز الثقة: معالجة المظالم والشكاوى، ومكافحة الفساد والمحسوبية، وتوسيع المشاركة في الحياة العامة. وأن تكون نتيجة ذلك سماع وملاحظة تغير حقيقي لمواطن طالب بحقه.
- الوقاية والتوعية: تطوير وتعديل القوانين الضابطة إلى جانب تطوير دور المؤسسات التعليمية والإعلامية والمجتمعية في تعزيز التفكير النقدي، ومواجهة التحريض وخطاب الكراهية.
- التنسيق المؤسسي: توحيد الجهود الوقائية بين الجهات الحكومية والأمنية والتربوية والاجتماعية، مع احترام القانون والحقوق الفردية. وأن تكون نتيجة ذلك إدارة أزمة واضحة ولغة محكمة في مخاطبة الجمهور كما سمعتها بالعلامة الكاملة مؤخرا من عطوفة مدير الأمن العام.
- المتابعة والمساءلة: تحديد مسؤوليات الجهات المعنية، ووضع مؤشرات قابلة للقياس، وتقييم النتائج الفعلية بدلا من الاكتفاء بإعلان المبادرات.
ويجب ألا تبقى هذه المقترحات حبيسة الأوراق والاجتماعات، بل ينبغي أن تتحول إلى خطط محددة بميزانيات وجداول زمنية ومسؤوليات معلنة، مع مراجعة دورية لنتائجها. فالمعيار الحقيقي لنجاح السياسات ليس عدد البرامج التي نطلقها، بل أثرها في حياة الناس، وقدرتها على تعزيز الثقة بالمؤسسات وتقليص مواطن الهشاشة التي قد تستغلها الجماعات المتطرفة.
إن الوطنية ليست خطابات مرتفعة النبرة، ولا مزايدات في الولاء، ولا اتهامات جاهزة للمجتمع. الوطنية مسؤولية وعمل ونتائج. ومن يتحدث عن الأمن الوطني عليه أن يدرك أن حماية الوطن تبدأ بحماية الإنسان، وأن هيبة الدولة تترسخ بعدالة مؤسساتها، وأن الاستقرار المستدام يُبنى بالثقة والإنصاف وسيادة القانون، لا بالخوف وحده.
فلنسمِّ الأمور بمسمّياتها: الإرهاب جريمة تستوجب الحزم، والتطرف خطر يستوجب المواجهة، والإقصاء والبطالة وانسداد الأفق مشكلات تستوجب المعالجة، والتقصير في السياسات العامة يستوجب المساءلة.
فالأوطان لا يحميها الصراخ من فوق الشاشات، ولا تنقذها الشعارات التي تنتهي بانتهاء البرامج. يحميها عمل جاد، ودولة تتحمل مسؤولياتها، ومجتمع متماسك، ومواطن يشعر بأن كرامته مصونة ومستقبله ليس مغلقا.
من يريد مكافحة الإرهاب حقا، فليتوقف عن الاكتفاء بإدانة نتائجه، وليبدأ بمعالجة أسبابه القابلة للمعالجة. ولا نقول فوق كل ذلك إلا الدعاء بأن يرحم الله شهداء الوطن وأن يحمي ويحرس الوطن والقائد والشعب من كل سوء.
























