«من نقل الخبر إلى حماية الحقيقة... التلفزيون الأردني يفتح ما وراء الشاشة»
نبأ الأردن -
في توقيت بالغ الأهمية، وفي لحظة باتت فيها الإشاعة واحدة من أدوات التأثير في الوعي العام، يأتي برنامج «ما وراء الشاشة» على شاشة التلفزيون الأردني ليؤشر إلى ميلاد جديد في أداء الإعلام الوطني، وإلى إدراك متقدم لطبيعة المعركة الإعلامية التي لم تعد تدور حول سرعة نقل الخبر فحسب، بل حول القدرة على حماية الحقيقة من سيل المعلومات المضللة، وتفنيد ما يستهدف الدولة ومؤسساتها ومجتمعها.
لقد أحسن التلفزيون الأردني اختيار التوقيت، كما أحسن اختيار الفكرة؛ فليس من قبيل المصادفة أن يخصص مساحة تلفزيونية لمواجهة الإشاعات، في وقت تتسع فيه منصات التواصل الاجتماعي لتداول روايات غير موثقة، ومحاولات متكررة لتشويه الحقائق، وبث الشك في مؤسسات الدولة، والنيل من منظومة القيم التي تشكل أساس التماسك الوطني والاجتماعي في الأردن.
ما يلفت الانتباه في «ما وراء الشاشة» أنه لا يكتفي بالتوقف عند الإشاعة أو إعادة تداولها، وإنما يذهب إلى ما وراءها؛ إلى مصادر المعلومة، وسياقها، وأهدافها، ومدى صحتها، واضعاً الحقيقة في مواجهة الادعاء، والوثيقة في مواجهة الرواية المضللة. وهي مقاربة تمنح البرنامج قيمة تتجاوز حدود المعالجة التلفزيونية التقليدية، وتجعله مساحة لتشكيل الوعي الإعلامي وتعزيز ثقافة التحقق قبل التصديق أو إعادة النشر.
ولعل ما يضيف إلى هذه التجربة أهمية خاصة هو إمكانية الاستناد إلى المؤشرات والإحصاءات التي يرصدها مرصد «أكيد» لمصداقية الإعلام، بما يوفر أرضية رقمية لفهم حجم الإشاعات وأنماط انتشارها ومصادرها، ويحول مواجهة التضليل من مجرد انطباعات إلى قراءة تستند إلى الرصد والتحليل والبيانات.
وفي الشكل التلفزيوني، نجحت صياغة البرنامج ومؤثراته البصرية والضوئية والصوتية في خلق حالة من التشويق والانتباه، دون أن تطغى على جوهر المادة ومضمونها. كما استطاعت الإعلامية كاثي فراج أن تقدم الحلقة بحضور مهني، مستندة إلى المعرفة والطرح الواضح، وهي تواجه مع ضيفها حسين الصرايرة محاولات التشكيك والتضليل، وتضع أمام المشاهد الحقائق من مصادرها، في حوار يجمع بين المعلومة والتحليل.
إن أهمية هذه التجربة تكمن أيضاً في أنها تضع التلفزيون الأردني أمام دور يتجاوز وظيفة الشاشة الناقلة للأحداث؛ دور الإعلام الذي يبادر إلى التفسير والتوضيح، ويستعيد موقعه مصدراً موثوقاً للمعلومة، ويخاطب الجمهور بلغة العصر وأدواته، دون أن يتخلى عن مسؤوليته المهنية في التدقيق والتحقق.
فالإشاعة ليست مجرد معلومة خاطئة عابرة، بل قد تتحول، حين تتكرر وتنتشر، إلى أداة لإرباك المجتمع، وزعزعة الثقة، وإثارة الانقسامات، واستهداف المؤسسات الوطنية وقيم المجتمع الأردني. ومواجهتها لا تكون بالصمت، ولا بمجرد النفي، وإنما بتقديم الحقيقة كاملة، وبسرعة، وبلغة مقنعة، وبأدلة يمكن للجمهور الرجوع إليها والتحقق منها.
وهنا تبرز مسؤولية الإعلام الوطني، ليس في الدفاع عن المؤسسات لمجرد أنها مؤسسات رسمية، وإنما في ترسيخ حق الجمهور في المعرفة، وتقديم المعلومات الدقيقة، ومساءلة الروايات المتداولة، وكشف مواطن الخلل حين تثبت، لأن المصداقية لا تُبنى بالشعارات، بل بالشفافية والحقائق.
«ما وراء الشاشة» خطوة تستحق التوقف عندها، لأنها تعكس إمكانية تجديد أدوات الإعلام الأردني، والانتقال به من موقع رد الفعل إلى موقع المبادرة، ومن انتظار الإشاعة حتى تنتشر إلى ملاحقتها وتفكيكها قبل أن تتحول إلى حقيقة في أذهان الناس.
إنها بداية تستحق البناء عليها، وتطويرها، وتوسيع حضورها؛ فالأردن الذي يدرك قيمة مؤسساته وتماسك مجتمعه، يحتاج إلى إعلام يعرف كيف يحمي الحقيقة، ويصون الوعي، ويخاطب الأردنيين بثقة ووضوح.
ففي زمن تتزاحم فيه الشاشات والمنصات، لا تكمن قوة الإعلام في أن يكون الأكثر ضجيجاً، بل في أن يكون الأكثر صدقاً. وتلك هي الرسالة الأهم التي يضعها «ما وراء الشاشة» أمام التلفزيون الأردني وجمهوره: أن تكون الحقيقة حاضرة، قبل أن تسبقها الإشاعة.

























