د. سعيد محمد ابو رحمه يكتب: خطاب العرش الملكي - رسالة السيادة والأمن وفلسطين

د. سعيد محمد ابو رحمه يكتب: خطاب العرش الملكي  رسالة السيادة والأمن وفلسطين
نبأ الأردن -
فلسطين، غزة
لم يكن خطاب العرش السامي الذي ألقاه الملك عبدالله الثاني، في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة الأردني العشرين، يوم 2 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، مجرد خطاب دستوري تقليدي لاستعراض أولويات الدولة، بل حمل مجموعة من الرسائل السياسية والاستراتيجية التي تعكس طبيعة المرحلة التي يمر بها الأردن، وحجم التحديات التي تواجهه في بيئة إقليمية تتسم بالاضطراب، وفي ظل استمرار الحرب والتوترات المرتبطة بالقضية الفلسطينية، وتصاعد المخاوف من تداعيات السياسات الإسرائيلية على مستقبل المنطقة. ويمكن قراءة الخطاب باعتباره محاولة لتأكيد ثوابت الدولة الأردنية، وربط استقرارها الداخلي بقدرتها على حماية سيادتها ومصالحها الوطنية، وفي الوقت نفسه الحفاظ على دورها الإقليمي تجاه القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
وقد جاء افتتاح الخطاب بالإشارة إلى حادثة الكرك والتأكيد على أن الأردن لن يسمح للإرهاب بتهديد أمنه ووحدته، ليضع الأمن الوطني في مقدمة الأولويات، ويعكس حرص المؤسسة الملكية على توجيه رسالة واضحة بأن مواجهة التهديدات الأمنية ليست مجرد استجابة لحادث عابر، وإنما جزء من حماية تماسك الدولة ومؤسساتها ومجتمعها. كما أن استحضار تضحيات الشهداء والتأكيد على دور القوات المسلحة والأجهزة الأمنية يحملان دلالة تتجاوز البعد الأمني المباشر، إذ يعيدان التأكيد على مركزية المؤسسة العسكرية والأمنية في منظومة الاستقرار الأردني، خصوصاً في ظل ما تشهده المنطقة من صراعات وتداخلات أمنية وسياسية.
غير أن البعد الأكثر أهمية في الخطاب يتصل بالقضية الفلسطينية، التي لم تظهر باعتبارها ملفاً خارجياً منفصلاً عن المصالح الأردنية، بل باعتبارها قضية ترتبط مباشرة بأمن المنطقة ومستقبلها. فالتأكيد الملكي أن الأمن والاستقرار لن يتحققا من دون تلبية حق الشعب الفلسطيني في أرضه، إلى جانب وصف الأطماع الإسرائيلية التوسعية بأنها أكبر تهديد لمستقبل المنطقة وآمالها، يمثل موقفاً سياسياً واضحاً في مواجهة محاولات فرض واقع إقليمي جديد بالقوة. وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة لأنها تربط بين استمرار الانتهاكات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية والقدس وبين احتمالات اتساع دائرة عدم الاستقرار، بما يعني أن الأردن لا ينظر إلى هذه التطورات باعتبارها شأناً فلسطينياً داخلياً فحسب، وإنما باعتبارها تحدياً يمس الأمن الوطني الأردني بصورة مباشرة، نظراً إلى الجغرافيا والتداخلات التاريخية والديموغرافية والسياسية بين الجانبين.
فيمكن فهم تشديد الملك على أن الأطماع الإسرائيلية التوسعية تشكل تهديداً لمستقبل المنطقة باعتباره تحذيراً من تداعيات السياسات التي قد تتجاوز حدود الأراضي الفلسطينية، سواء من خلال التوسع الاستيطاني، أو تكريس السيطرة على الأراضي، أو محاولات تغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي في الضفة الغربية والقدس. كما أن استمرار الكارثة الإنسانية في قطاع غزة، بالتزامن مع تصاعد الاعتداءات في الضفة الغربية والقدس، يضع الأردن أمام تحديات سياسية وأمنية وإنسانية متشابكة، ويجعل الدفاع عن الحقوق الفلسطينية جزءاً من معادلة حماية الاستقرار الإقليمي، وليس مجرد موقف دبلوماسي تقليدي.
ومن اللافت أن الخطاب لم يكتفِ بتوصيف الخطر الإسرائيلي، بل تضمن لغة سياسية تحمل أبعاداً تتعلق بالذاكرة والشرعية والحقوق التاريخية، من خلال التأكيد أن الشعوب لن تنسى، وأن مرور الزمن لا يمكن أن يغيّر الحقائق أو يمنح السياسات القائمة على القوة شرعية. وهذه العبارات تحمل رسالة مفادها أن الرهان على عامل الوقت لفرض وقائع جديدة على الفلسطينيين والمنطقة لن يؤدي بالضرورة إلى إنهاء الصراع أو تحقيق الاستقرار. فالقضية الفلسطينية، وفق هذه الرؤية، ليست قضية يمكن تجاوزها بفعل التحولات السياسية أو الضغوط الدولية، وإنما تظل مرتبطة بحقوق وطنية وتاريخية لا يمكن إلغاؤها بمجرد فرض الأمر الواقع.
كما أن الخطاب يعكس حساسية أردنية واضحة تجاه مستقبل الضفة الغربية والقدس، وما يمكن أن تتركه التطورات هناك من انعكاسات على الأردن، خصوصاً في ظل المخاوف من أي محاولات لتغيير الواقع القائم أو دفع الفلسطينيين نحو التهجير. ومن هنا تبرز أهمية الموقف الأردني المتمسك بحق الفلسطينيين في أرضهم، ورفض أي تسويات تنتقص من حقوقهم الوطنية، إلى جانب استمرار الدور الأردني في الدفاع عن المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس في إطار الوصاية الهاشمية. وفي تقديري، فإن الرسالة السياسية الأهم هنا هي أن الأردن يريد أن يضع حدوداً واضحة لأي تصورات إقليمية تتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها ملفاً قابلاً للتصفية أو إعادة التشكيل وفق موازين القوة.
ويكشف الخطاب عن تمسك الأردن بهويته العربية وبالدور الذي يراه لنفسه في الدفاع عن القضايا العربية، لكنه في الوقت ذاته يعكس إدراكاً لحجم التحديات التي تواجه العمل العربي المشترك، في ظل تباين المواقف وتعدد المصالح والتحالفات الإقليمية والدولية. فالإشارة إلى أن الصوت العربي الموحد يظل هدفاً وطموحاً، حتى إن بدا بعيد المنال، تحمل اعترافاً ضمنياً بصعوبة تحقيق هذا التوافق، لكنها تؤكد أن الأردن لا يريد أن يتراجع عن فكرة العمل العربي المشترك، خصوصاً في مرحلة تتزايد فيها الضغوط على الدول العربية وتتعاظم فيها التحديات المرتبطة بالأمن الإقليمي ومستقبل القضية الفلسطينية.
 يمكن القول إن خطاب العرش السامي رسم معادلة سياسية تقوم على ثلاثة مستويات مترابطة: حماية الدولة الأردنية وأمنها وسيادتها، والتمسك بالحقوق الفلسطينية باعتبارها مدخلاً أساسياً لاستقرار المنطقة، وتعزيز الإصلاح الداخلي سياسياً واقتصادياً ومؤسسياً. وتكمن أهمية الخطاب في أنه لم يفصل بين هذه المسارات، بل قدمها باعتبارها عناصر متكاملة في رؤية الأردن لمستقبله ولدوره الإقليمي. فالاستقرار الداخلي يمنح الدولة القدرة على مواجهة التحديات الخارجية، والاقتصاد القوي يعزز استقلال القرار الوطني، فيما يظل الموقف من فلسطين جزءاً من الثوابت السياسية الأردنية ومن حسابات الأمن القومي للمملكة.
أما فلسطينياً فإن الرسالة الأردنية الأبرز تتمثل في رفض التعامل مع استمرار الاحتلال والتوسع الإسرائيلي باعتبارهما واقعاً يمكن أن يتحول بمرور الوقت إلى أمر مقبول إقليمياً ودولياً. وهي رسالة تكتسب أهمية إضافية في ظل ما يواجهه الفلسطينيون في غزة والضفة الغربية والقدس، وما يفرضه ذلك من حاجة إلى موقف عربي أكثر تماسكاً وقدرة على التأثير. ومن هنا يمكن قراءة خطاب الملك عبدالله الثاني باعتباره تأكيداً على أن الأردن، رغم التحديات الداخلية والإقليمية، لا يرى أن استقرار المنطقة يمكن أن يتحقق على حساب الحقوق الفلسطينية، وأن أي تصور لمستقبل الشرق الأوسط يتجاوز هذه الحقيقة سيظل مفتوحاً على احتمالات التوتر وعدم الاستقرار.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions