عبدالله بني عيسى يكتب : التنوير ليس معركة ضد المجتمع

عبدالله بني عيسى يكتب : التنوير ليس معركة ضد المجتمع
نبأ الأردن -
تعقيباً على بيان "المثقفين" الذي حمل عنوان «من أجل وطن تعددي عصي على التطرف والإرهاب»، وصدر في أعقاب الجريمة الإرهابية التي استهدفت أهلنا في قرية حمود. ومع صادق احترامي لجميع الموقعين عليه، أضع بين أيدي المهتمين الملاحظات التالية: 

لا خلاف على إدانة الجريمة، ولا على ضرورة ملاحقة مرتكبيها وإنزال العقوبات المستحقة بحقهم، ولا على أهمية مواجهة التطرف وتجفيف منابعه الفكرية والمادية. كما لا خلاف على أن المعالجة الأمنية والقضائية، على أهميتها، لا تكفي وحدها لمواجهة ظاهرة بهذا التعقيد.

لكن المشكلة تكمن في مكان آخر؛ في الطريقة التي اختار بها أصحاب البيان تفسير الظاهرة، وفي اللغة التي استخدموها، وفي طبيعة المعركة الفكرية التي قرروا فتحها.

فالبيان الذي يرفع شعار التعددية وينبذ الإقصاء، يضع مدارس ومراجع فكرية ودينية في سلة واحدة، ويقدمها بوصفها روافد للفكر التكفيري، ويتبنى قراءة تاريخية أحادية (على الأقل من وجهة نظر المعتدلين) تربط التحولات الفكرية والاجتماعية في الأردن بتوظيف الدين في الحرب الباردة، وأموال البترودولار، ونفوذ جماعة الإخوان المسلمين في المؤسسات التعليمية.

وهنا يصبح من المشروع أن نسأل: هل نحن أمام تشخيص موضوعي متعدد الأسباب لظاهرة التطرف، أم أمام قراءة أيديولوجية تستعيد سردية اليسار التقليدي في تفسير التحولات التي شهدتها المنطقة؟

إن أكثر ما استوقفني في هذا البيان ليس ما قاله عن التطرف، بل ما لم ينتبه إليه في المجتمع الأردني نفسه.

لقد شهدنا عقب جريمة حمود حالة واسعة من التضامن والإدانة والاستنكار، تجاوزت الانتماءات الدينية والاجتماعية والسياسية. ووصف كثيرون الضحايا بالشهداء، وأبدى عدد كبير من الأردنيين غضباً وألماً حقيقيين، ورفضوا الاعتداء عليهم وعلى معتقداتهم وحقهم في الحياة الآمنة.

قد تبدو هذه المواقف طبيعية في سياق جريمة بهذا القدر من البشاعة، لكنها، عند قراءتها في سياق الموروث الثقافي والاجتماعي، تحمل دلالات تستحق التوقف.

لقد تجاوز كثير من الأردنيين، في تعبيرهم عن التضامن مع الضحايا، بعض الحواجز الذهنية والفقهية التي ظل بعض أصحاب الرأي والتأثير الديني يضعونها أمام الاعتراف بالآخر المختلف. ولم يتوقفوا طويلاً عند الاختلاف في العقيدة أو التصنيفات الدينية، بل انحازوا إلى الإنسان وحقه في الحياة والكرامة والأمان.

أليس في ذلك اختراق اجتماعي وثقافي مهم؟ أليس في هذه الاستجابة الشعبية الواسعة ما يستحق الاحتفاء والبناء عليه؟

لقد رأيت في ردود الفعل التي رافقت الجريمة رغبة حقيقية لدى قطاع واسع من الأردنيين في العيش المشترك والسلمي مع المختلفين عنهم دينياً، واستعداداً للتضامن معهم باعتبارهم شركاء في الوطن، لا باعتبارهم أصحاب عقيدة ينبغي التساهل معها أو التسامح مع وجودها.

وهذا، في تقديري، إنجاز اجتماعي وفكري لا ينبغي التقليل من شأنه، خصوصاً إذا ما قيس بطبيعة الحواجز الذهنية التي تراكمت عبر عقود.

لكن أصحاب البيان، بدلاً من التقاط هذه اللحظة والبناء عليها، اختاروا الذهاب إلى معركة أوسع مع البنية الثقافية والدينية للمجتمع، وفتح ملفات تاريخية وسياسية شديدة الحساسية، وكأن المجتمع الذي أظهر هذا القدر من التضامن هو ذاته الخصم الذي ينبغي مواجهته وتفكيك بنيته الفكرية.

ما الغاية من خوض معركة تصادمية مع مجتمع أظهر، في واحدة من أكثر لحظاته إيلاماً، استعداداً للانحياز إلى قيم التعايش والإنسانية؟

سبق أن كتبت أن ليس من مصلحة التنويري الحقيقي أن يتعمد الصدام مع المجتمع في «ثوابته»، مهما بلغت درجات التضاد بينه وبين بعض مكونات ذلك المجتمع. فهو يدرك أن العواقب قد تكون وخيمة، وأن الفائدة من مثل هذه المواجهات محدودة، إن لم تكن معدومة.

بعض الذين ينتسبون إلى الفكر التنويري يخطئون حين يدعون صراحة إلى تقويض البنية الثقافية التي تشكل وجدان المجتمع، وهدم صروحها وإلغائها من حياة المؤمنين بها، دون اكتراث كبير بما يمكن أن تفضي إليه هذه الدعوات. 

التنويري الحقيقي لا يتعامل مع مجتمعه باعتباره خصماً، ولا ينظر إلى الناس باعتبارهم كتلة من الجهل والتخلف ينبغي إعادة تشكيلها من نقطة الصفر. ومتى فعل ذلك، فإنه يكشف عن قصور في فهم المجتمع، لا عن تفوق عليه.

التنويري يتحمل مسؤولية إضافية تجاه مجتمعه، ليس لأنه أكثر استحقاقاً منه، بل لأنه اختار أن يتجاوز بعض الأفكار السائدة والمستحكمة، وأن ينفتح على مساحات أوسع من حرية التفكير وقبول الاختلاف. وهذه المسؤولية تقتضي منه أن يكون أكثر صبراً ووعياً واحتضاناً للآخرين، لا أكثر تعالياً عليهم.

فالغاية ليست إخراج المتدين من دينه، ولا دفعه إلى التخلي عن تراثه ومقدساته، بل الوصول إلى صيغة اجتماعية ووطنية يصبح فيها الاختلاف الديني والفكري والسياسي أمراً طبيعياً، لا تهديداً للهوية أو سبباً للإقصاء. ويكون معيار المواطنة فيها هو القانون، والمساواة في الحقوق والواجبات، والانتماء إلى الدولة والوطن.

ولعل ما يغيب عن بعض أصحاب الخطاب التنويري أنهم يتحركون في مساحة اجتماعية وثقافية محدودة، في مقابل مساحة أوسع بكثير يشغلها التدين بمختلف أشكاله، وتساندها مؤسسات اجتماعية وتعليمية وإعلامية ودينية راسخة. وهذه حقيقة ينبغي أن تدخل في حسابات أي مشروع للتغيير، لا أن يجري تجاهلها أو التعامل معها باعتبارها عقبة ينبغي تحطيمها.

نحن أبناء مجتمع عربي مسلم، إن لم يكن بالانتماء الديني أو العرقي لكل فرد منا، فبالانتماء الثقافي والتاريخي الذي تشكل عبر قرون. وحتى من لا ينتمي إلى الإسلام دينياً، فإنه يعيش في كنف ثقافة تأثرت به وتشكلت في سياقه، مثلما أسهمت فيها روافد أخرى.

ولا يمكن تغيير بنية عقل اجتماعي تشكلت عبر قرون ببيان أو قرار أو مواجهة خطابية. كما لا يمكن إزاحة فكرة مستحكمة بالإقصاء، وإنما بفكرة أكثر إقناعاً وإنسانية وقدرة على الاستجابة لحاجات الناس وتطلعاتهم.

الموروث لا يتغير بقرار من أحد، بل بمسار طويل من التعليم والثقافة، والاحتفاء بالحياة والفنون والعلوم، وتوسيع فرص العيش الكريم، وترسيخ العدالة، وإنهاء المظلوميات التي تتغذى عليها خطابات التطرف والانغلاق.

والفكرة لا تُهزم بإهانة المؤمنين بها، بل بتقديم بديل أكثر قدرة على الإقناع، وبناء الثقة مع المجتمع، لا كسب المعارك الكلامية عليه.

إن أمام التنويري خيارات محدودة إذا أراد أن يكون جزءاً من مجتمع يرتبط به اجتماعياً وسياسياً ووطنياً. فإذا لم يكن مستعداً لخوض معركة طويلة النفس، قد لا يرى نتائجها في حياته وربما في حياة أبنائه، فعليه أن يدرك حدود قدرته على التغيير. أما إذا اختار البقاء والمشاركة، فعليه أن يتحلى بالصبر الاستراتيجي، وألا يستدرج نفسه إلى معارك مجانية تستنزف رصيده وتضيّق المساحة المتاحة أمام أفكاره.
بيان المثقفين، كان يمكن أن يشكل فرصة لتوسيع مساحة التوافق الوطني التي أظهرتها الجريمة، والاحتفاء بما تحقق في الوعي المجتمعي، والبناء عليه. لكنه، في تقديري، أضاع جانباً مهماً من هذه الفرصة حين اختار أن يضع التعددية في مواجهة مع مكونات واسعة من المجتمع، بدلاً من جعلها قاعدة مشتركة للعيش معه.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions