د. طلال الزبن يكتب: من حادثة الكرك إلى أزمة قبول الآخر: المشكلة في ثقافتنا قبل مؤسساتنا

د. طلال الزبن يكتب: من حادثة الكرك إلى أزمة قبول الآخر: المشكلة في ثقافتنا قبل مؤسساتنا
نبأ الأردن -
حين يصبح الاختلاف سبباً للخصومة، ويتحول خطاب الكراهية إلى لغة مألوفة، فإن الخطر لا يعود محصورراً في حادثة بعينها، بل يمتد إلى بنية الوعي الاجتماعي وطريقة إدارة خلافاتنا.

لا ينبغي أن نتعامل مع حادثة الكرك باعتبارها واقعة منفصلة عن سياقها الاجتماعي والفكري، ولا أن نكتفي بإدانتها ثم نعود إلى حياتنا وكأن شيئاً لم يحدث، فالحوادث التي تمس السلم المجتمعي تفرض علينا التوقف أمام الأسئلة الأعمق: ما الذي يحدث في ثقافتنا الاجتماعية؟ ولماذا أصبح قبول الآخر تحدياً حقيقياً؟ وكيف وصل الخطاب العدائي إلى مساحات واسعة من حياتنا اليومية؟

مشكلتنا اليوم ليست في الاختلاف، بل في قدرتنا على تقبّله، فالمجتمع الأردني، بتنوعه وتاريخه وتماسكه، لا يحتاج إلى خطاب يستحضر فئات المجتمع بوصفها أقليات تستحق التعاطف فحسب، بل إلى ثقافة مواطنة راسخة تنظر إلى كل إنسان باعتباره شريكاً كاملاً في الوطن، لا حالة استثنائية تحتاج إلى التبرير أو الحماية الرمزية.

فالمواطن لا يستمد مكانته من انتمائه الديني أو الاجتماعي، بل من كونه مواطناً له الحقوق ذاتها وعليه الواجبات ذاتها،
وهنا تبدأ مسؤولية مؤسسات التنشئة الاجتماعية: من الأسرة التي تغرس احترام الاختلاف، إلى المدرسة التي تربي على الحوار، والجامعة التي توسع آفاق التفكير، والمسجد الذي يعزز قيم الرحمة والتسامح، وصولًا إلى الإعلام الذي ينبغي أن يواجه التحريض دون أن يتحول إلى منصة لإعادة إنتاجه، فقبول الآخر ليس شعاراً موسمياً يُرفع بعد الأزمات، بل ثقافة يجب أن تُبنى يومًا بعد يوم، وتتحول إلى سلوك وممارسة.

لكن المشكلة لا تقف عند حدود الخطاب الديني أو الاجتماعي، فخطاب الكراهية لا يعيش في فراغ، بل يجد بيئته حين تغيب لغة الحوار، وتتراجع الثقة، ويصبح الاختلاف في الرأي مدخلاً للإقصاء والتخوين،والأخطر أن تتسلل هذه الممارسات إلى بيئات العمل والمؤسسات الحكومية، فتضعف العلاقة بين الرئيس والمرؤوس، وتخلق الاحتقان بدلاً من الشراكة، وتنعكس في النهاية على جودة الخدمة العامة وثقة المواطن بمؤسسات الدولة.

وفي زمن وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد من الممكن مواجهة هذا المد بخطاب تقليدي محدود التأثير، فالمحتوى التحريضي ينتشر بسرعة، وقد يجد طريقه إلى الناس قبل أن تصل إليهم الرسائل التوعوية، ولذلك فإن الاكتفاء بالإدانة أو إصدار البيانات لا يكفي، المطلوب خطاب رقمي بديل، مقنع ومهني، يستند إلى المعرفة، ويخاطب الناس بلغتهم، ويواجه الكراهية بالحجة، لا بمجرد الوعظ.

وفي هذا السياق، فإن المسؤولية لا تقع على وزير الإعلام وحده، ولا على وزير الأوقاف وحده، ولا على أي مؤسسة منفردة، إنها مسؤولية مشتركة تتطلب تنسيقاً حقيقياًبين الحكومة والمؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية والثقافية ومؤسسات المجتمع المدني.

ومع أهمية الجهود المبذولة في تطوير الخطاب الإعلامي، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في نقل هذه الجهود من مستوى الرسائل والتصريحات إلى برامج مستدامة، لها أهداف واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس، وتخضع لتقييم دوري يكشف ما تحقق وما أخفقنا فيه، ولعل الأهم أن الأردن لا يفتقر إلى الأطر الفكرية والاستراتيجية التي يمكن الانطلاق منها،فقد قدمت الأوراق النقاشية الملكية تصوراً للإصلاح السياسي والمواطنة الفاعلة والديمقراطية القائمة على المشاركة والحوار، فيما رسمت رؤية التحديث الاقتصادي مساراً لتوسيع الفرص وتعزيز التنمية، وهذان المساران، على اختلاف طبيعتهما، يلتقيان عند حقيقة جوهرية: بناء دولة حديثة لا يتحقق بالخطط الاقتصادية وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى مجتمع يؤمن بالمواطنة، ويحترم التنوع، ويمتلك القدرة على إدارة اختلافاته بعيداً عن الكراهية والإقصاء.

غير أن الفجوة بين الرؤية والتطبيق تظل أحد أبرز التحديات، فمهما بلغت جودة الخطط، فإن أثرها سيبقى محدوداً إذا لم تصاحبها مراجعة جادة للثقافة المؤسسية والاجتماعية، وإذا لم تتحول قيم الحوار والاحترام والمساواة إلى معايير ملموسة في التعليم والعمل والخدمة العامة والخطاب الديني والإعلامي.

إن معركتنا الحقيقية ليست مع حادثة بعينها، بل مع كل ثقافة تجعل من الاختلاف مبرراً للعداء، ومن الانتماء سبباً للإقصاء، ولا يمكن مواجهة هذه المشكلة بحملات عابرة أو ردود فعل مؤقتة، بل باستراتيجية وطنية متكاملة، تُحدد المسؤوليات، وتضع مؤشرات لقياس انتشار خطاب الكراهية والحد منه، وتراقب أثر البرامج التوعوية، وتعلن نتائجها بشفافية، وتصحح مسارها كلما أثبتت الوقائع الحاجة إلى ذلك.

فالأردن الذي نطمح إليه لا يُبنى فقط بما ننجزه من مشروعات اقتصادية، ولا بما نضعه من خطط تحديث، وإنما أيضًا بما نرسخه في نفوس أبنائه من احترام للإنسان، وقبول للاختلاف، وإيمان بأن المواطنة لا تتجزأ،
فإذا أردنا أن نحمي الأردن، فعلينا أن نبدأ من الإنسان؛ لأن الدولة القوية ليست فقط مؤسسات قادرة على الإنجاز، بل مجتمع قادر على الاختلاف دون أن يتخاصم، وعلى التنوع دون أن يتفكك، وعلى صون وحدته دون أن يطلب من أحد أن يتخلى عن هويته.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions