نيڨين العياصرة تكتب: علينا أن نحارب الفكر الداعشي في بيوتنا ومدارسنا وجامعاتنا
نبأ الأردن -
في كل مرة تقع فيها جريمة تهز وجدان الأردنيين نخرج إلى الشاشات بكلمات الغضب والحزن نتبادل التعازي ونبحث عن الجاني ثم نعود إلى حياتنا اليومية وكأن الحكاية انتهت عند حدود الجريمة، لكن ماذا لو كانت الحكاية أعمق من ذلك؟ ماذا لو كان علينا أن نبحث عن الفكرة التي سبقت الجريمة وعن الكلمات التي مهدت لها،
وعن العقول التي اعتادت إقصاء الآخر حتى أصبح العنف في نظرها أمرًا قابلًا للتبرير؟
جريمة حمود هزّت كل أردني يحمل في قلبه إنسانية، لكنها فتحت أمامنا بابًا لا يجوز أن نغلقه سريعًا، باب الفكر المتطرف الذي قد يعيش بيننا، في البيت والشارع والمدرسة والجامعة، وقد نجد مظاهره في بعض الخطابات السياسية والحزبية، وعلى منصات التواصل الاجتماعي، وهنا أتحدث عن عقلية التكفير والإقصاء والإكراه، تلك التي تمنح صاحبها شعورًا بأنه يملك حق محاكمة الناس والتحكم في حياتهم وتضعه في موقع الوصي على ضمائرهم واختياراتهم.
الداعشية عقلية تتغذى على الفكرة ذاتها حين يصبح المختلف عدوًا وحين يتحول الدين إلى أداة لإخضاع الناس وحين يظن الإنسان أن إيمانه يمنحه سلطة على إيمان الآخرين، وهذه العقلية تستحق المواجهة قبل أن تتجذر في المجتمع وقبل أن تجد من يحولها إلى سلوك مؤذٍ أو جريمة.
تخيلوا طفلة تعود إلى البيت خائفة لأنها خرجت دون حجاب، فتجد الضرب في انتظارها بدل الحوار، تخيلوا امرأة تريد أن تختار لباسها،
فتتحول حياتها إلى سلسلة من التهديدات والتعنيف وكأن جسدها وإرادتها ملك لمن حولها، وتخيلوا شابًا يقول إنه يحترم جميع الأديان فيجد من يشكك في إيمانه ويلاحقه بأحكام التكفير وكأنه ارتكب جريمة.
كم من حكاية تشبه هذه الحكايات بقيت خلف الأبواب المغلقة؟ وكم من أسرة عاشت صراعًا بسبب أفكار تفرض على الإنسان شكلًا واحدًا للحياة والتدين؟ إن العنف الأسري له أسباب متعددة وتحديد كل حالة يحتاج إلى معرفة ظروفها وأدلتها لكننا مطالبون بالتوقف أمام كل خطاب يمنح العنف غطاءً دينيًا أو أخلاقيًا ويجعل السيطرة على الآخرين دليلًا على الالتزام.
وهنا أصل إلى نقطة أراها جوهره.. هذا الفكر يؤذي المسلم أولًا قبل أن يمتد أثره إلى المسيحي وغيره، يؤذيه حين يسلبه حرية السؤال والاختيار وحين يجعل حياته محكومة بالخوف من أحكام الناس وحين يقيس إيمانه بمقدار خضوعه لتصورات الآخرين، ثم تتسع الدائرة لتشمل المرأة والطفل والشاب وكل إنسان يختار طريقًا مختلفًا عن الطريق الذي يريد البعض فرضه عليه.
أنا مسلمة ملتزمة أعتز بديني وأحترم قناعاتي لكن التزامي مسؤولية تخصني،
وأثره الحقيقي يظهر في أخلاقي وعدلي ورحمتي لا أحتاج إلى فرض حجابي أو قناعاتي على امرأة أخرى حتى أثبت إيماني ولا أحتاج إلى مراقبة حياة الناس حتى أشعر أنني أقرب إلى الله، من حقي أن أعيش ديني عن قناعة ومن حق الآخرين أن يعيشوا اختياراتهم بكرامة ضمن القانون واحترام حقوق الناس.
أين هي الحريات حين تخاف فتاة من التعبير عن اختيارها؟ وأين معنى التدين حين يتحول إلى وسيلة لتخويف الناس وإذلالهم؟.
لقد أصبحنا نرى على منصات التواصل الاجتماعي تعليقات توزع أحكام الكفر ومنشورات تحرض على المختلف وخطابات تتدخل في معتقدات الناس وعلاقاتهم الاجتماعية، يكتب أحدهم تعليقًا قاسيًا فيصفق له العشرات ثم يعيد آخرون نشره حتى تصبح الكراهية مادة يومية يتداولها الناس دون أن يفكروا في أثرها.
الكلمة قد تبدو صغيرة عند كتابتها خلف الشاشة لكنها قد تترك في عقل شاب فكرة وفي نفس فتاة خوفًا،
وفي مجتمع كامل مساحة جديدة للانقسام، ومن هنا تأتي مسؤوليتنا في مواجهة التحريض ومحاسبة من يثبت تورطه في التهديد أو الدعوة إلى العنف وفق القانون والأدلة مع الحفاظ على حرية التعبير وحق الناس في الاختلاف.
ولا يجوز أن نحصر الحديث عن الفكر المتطرف في العلاقة بين المسلم والمسيحي وكأن القضية تبدأ وتنتهي عند الفتنة الدينية، فالمسألة أوسع من ذلك، إنها تتعلق بطريقة تعامل الإنسان مع أخيه الإنسان وبالحدود التي يضعها المجتمع أمام من يريد أن يفرض رأيه بالقوة أو يجرّد الآخرين من حقوقهم.
أما المسيحي الأردن، فهو شريك في هذه الأرض وابن من أبناء الوطن تجمعنا به الجيرة والتاريخ والمصير، احترامه وتهنئته في مناسباته لا ينتقصان من إيمان المسلم كما أن التعايش بين أبناء الوطن قيمة تحمي المجتمع وتمنحه قوة في مواجهة الفتن. ومن حق كل أردني أن يعيش بأمان وأن يمارس معتقده، وأن يجد في وطنه مكانًا يحفظ كرامته.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: أين تقف المؤسسات السياسية من هذا الخطاب الذي يغذي الفكر الداعشي؟ ماذا يفعل مجلس النواب حين تظهر في بعض الخطابات الصادرة عن أعضائه أفكار تمس التعددية أو تنتقص من حقوق الآخرين؟ وما مسؤولية الأحزاب حين يستخدم بعض الأفراد المنتمين إليها لغة الإقصاء والتكفير؟ هذه أسئلة تستحق نقاشًا جادًا قائمًا على المواقف الموثقة والكلمات المنشورة بعيدًا عن التعميم والاتهامات التي تفتقر إلى الأدلة.
النائب الذي يتحدث باسم الناس يحمل مسؤولية تجاه المجتمع والحزبي الذي يطلب ثقة المواطنين مطالب بأن يحترم تعددهم، ورجل الدين مسؤول عن الكلمة التي تصل إلى عقول أتباعه، فالمؤسسات التي تصنع الوعي مطالبة بأن تكون جزءًا من حماية المجتمع وأن تراجع أي خطاب يغذي الكراهية وأن تجعل المواطنة والعدالة واحترام الإنسان أساسًا للعمل العام.
لكن كيف نقضي على الفكر الداعشي؟ هل تكفي الملاحقة الأمنية بعد وقوع الجريمة؟ وهل تنتهي المشكلة بإغلاق حساب أو حذف منشور بينما تبقى الفكرة حية في البيت والمدرسة والجامعة؟.
المواجهة تبدأ من التربية، من أب يعلم ابنه أن الرجولة احترام ومسؤولية، وليست قدرة على فرض السيطرة. ومن أم تمنح ابنتها الثقة والكرامة، وتعلمها أن الحوار حق وأن العنف وسيلة مرفوضة، ومن مدرسة تفتح أبواب الأسئلة بدل أن تصنع الخوف منها، ومن جامعة تمنح الشباب مساحة للنقاش والتفكير، ومن مؤسسات دينية تقدم خطابًا يعزز الرحمة والعدل واحترام الإنسان.
وتبدأ أيضًا من القانون الذي يحمي الناس من التهديد والتحريض والعنف ويطبق على الجميع دون استثناء فكل من يثبت تورطه في التحريض على الاعتداء يجب أن يتحمل مسؤوليته، مهما كان موقعه أو حجم جمهوره، أما الاختلاف في الرأي أو التدين فيحتاج إلى الحوار واحترام الحقوق لا إلى التشهير والتكفير.
ونحتاج إلى أحزاب تراجع خطابها وإلى إعلام يواجه الأفكار المتطرفة بدل أن يمنحها جمهورًا إضافيًا وإلى مؤسسات تحتضن الشباب وتمنحهم فرص المشاركة والعمل والتعبير، فالفكر المتطرف يجد أحيانًا طريقه إلى العقول التي تبحث عن إجابات أو تشعر بالتهميش ولذلك فإن بناء الثقة والعدالة وتكافؤ الفرص جزء من حماية المجتمع.
جريمة حمود تستحق أن تدفعنا إلى مراجعة حقيقية مع ترك تحديد دوافعها ومسؤولياتها لنتائج التحقيق والأدلة، لكن مسؤوليتنا تجاه الأفكار التي تغذي الكراهية تبدأ اليوم، من كلماتنا ومواقفنا وطريقة تعاملنا مع المختلف.
أنا أخاف على الأردن.. على تلك التفاصيل التي صنعت علاقتنا ببعضنا.. على الجار الذي يفتح بابه لجاره وعلى العائلة التي تجمع أبناءها رغم اختلافهم وعلى الشاب الذي يريد أن يعيش بسلام، وعلى المرأة التي تطلب حقها في الاختيار وعلى الطفل الذي يحتاج إلى بيت يمنحه الأمان.
أخاف أن نعتاد على الكراهية حتى تصبح عادية، وأن نسمع التكفير فلا نستغربه، وأن نرى الإهانة فنمر عنها، وأن ننتظر الجريمة حتى نتذكر أن هناك أفكارًا كانت تكبر أمام أعيننا.
علينا أن نحذر من الفكر الداعشي بيننا.. من الفكرة التي تبدأ بالوصاية ثم تتحول إلى إكراه وقد تنتهي إلى عنف، علينا أن نواجهها بالوعي والعدالة والتربية وأن نرفض منح الكراهية غطاءً دينيًا وأن نحمي حق الإنسان في أن يعيش قناعاته بكرامة وأمان.
فأنا مسلمة ملتزمة وأريد أن أعيش إيماني بطمأنينة وحرية وأن أرى غيري يعيش حياته بحرية، أريد وطنًا يحترم فيه الإنسان أخاه وتكون فيه الحرية مسؤولية والدين رحمة، والقانون مظلة للجميع.
الأردن تحميه عقول ترفض التطرف وقلوب تتسع للناس،ومؤسسات تمتلك الشجاعة لمواجهة الكراهية قبل أن تتحول إلى فاجعة جديدة.

























