د.أحمد سلامة الحراحشة يكتب: إلى جاري وأخي في خندق الوطن

د.أحمد سلامة الحراحشة يكتب: إلى جاري وأخي في خندق الوطن
نبأ الأردن -
الدكتور أحمد سلامة الحراحشة
 مدير مديرية اوقاف الزرقاء يكتب:

من رحاب المسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة، ومن جوار مقام الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، نتقدم بأحرّ مشاعر العزاء والمواساة إلى وطننا الغالي، وإلى عشائرنا المسيحية الأصيلة، والآباء والكهنة، وإلى الأسرة الأردنية الواحدة، وقيادتنا الهاشمية، بوفاة كوكبة من أبناء الوطن الأبرياء، إثر الحادث الإجرامي الآثم الذي استهدف أرواحًا بريئة، في اعتداء يتنافى مع تعاليم الأديان السماوية والقيم الإنسانية النبيلة.

إن هذا المصاب الجلل يمسّ قلب كل أردني وأردنية، ويصيبنا جميعًا في وحدتنا الوطنية ونسيجنا الاجتماعي المتماسك، فإخوتنا المسيحيون ليسوا مجرد شركاء في الوطن، بل هم جزء أصيل من تاريخه وحاضره ومستقبله، وركن راسخ من أركانه، وعمود من أعمدته، وشريان نابض في جسده، وزهرة يانعة في بساتينه. ولهم في صفحات التاريخ الأردني المشرّف مواقف من العز والكبرياء والشجاعة والانتماء، تجسّد أسمى معاني المواطنة الصادقة والوفاء لتراب الأردن وقيادته.

إلى جاري وأخي في خندق الوطن، نقول: إن مصابك مصابنا، ووجعك وجعنا، ودماء أبنائك غالية على قلوبنا جميعًا .

لقد جمعنا هذا الوطن على المحبة والكرامة، ووحّدنا في مواجهة التحديات، فوقفنا على الدوام جنبًا إلى جنب، في صف واحد وخندق واحد، هو خندق الوطن الذي لا يعرف التفرقة، ولا يقبل الانقسام، ولا يسمح لأصحاب الفكر المتطرف أن ينالوا من وحدتنا أو يعبثوا بعلاقات الأخوة والجيرة التي رسختها عقود طويلة من العيش المشترك.

إننا نقف بصوت أردني واحد لنشجب ونستنكر هذا العدوان الآثم، ونؤكد رفضنا المطلق لكل أشكال التطرف والغلو والإرهاب، ولكل فكر ضال يسعى إلى تمزيق المجتمعات وإشعال الفتن بين أبناء الوطن الواحد. فهؤلاء الذين يستبيحون دماء الأبرياء، ويعتدون على حرمة دور العبادة، لا يمثلون دينًا ولا يحملون رسالة سماوية، بل يتناقض فعلهم مع جوهر الدين الذي يدعو إلى الرحمة وصون النفس الإنسانية واحترام كرامة الإنسان.

إن من يستهدف المسجد والكنيسة، ويكفّر الإمام والكاهن، ويستبيح دماء الأبرياء باسم الدين، إنما يكشف عن فكر منحرف لا يمتّ إلى الإسلام الصحيح بصلة، ولا إلى قيم المحبة والتسامح والتعايش التي قامت عليها مجتمعاتنا الأردنية الأصيلة.

ونحن، إذ نعبّر عن ألمنا العميق وحزننا الكبير، نجدد اعتزازنا بقيادتنا الهاشمية الحكيمة، وبجيشنا العربي المصطفوي، وأجهزتنا الأمنية الباسلة، الذين يشكّلون درع الوطن الحصين وسياجه المنيع، ويقفون بكل عزيمة وإخلاص في وجه كل من تسوّل له نفسه المساس بأمن الأردن واستقراره، أو الاعتداء على أبنائه، أو تهديد وحدته الوطنية.

إن دماء الأردنيين غالية وعزيزة، وكرامة الإنسان الأردني فوق كل اعتبار، وسيبقى وطننا، بقيادته وشعبه ومؤسساته، عصيًا على كل محاولات العبث بأمنه والنيل من تماسكه. كما نؤكد ثقتنا بقدرة الدولة الأردنية على التعامل مع هذه الجريمة وفق أحكام القانون والعدالة، ومحاسبة كل من يثبت تورطه فيها.

ولن يكون هذا المصاب، على قسوته وألمه، سببًا للفرقة أو مدخلًا للفتنة، بل سيبقى شاهدًا على أصالة الأردنيين، وعلى قدرتهم على تحويل المحن إلى مواقف وطنية تزيدهم تماسكًا وتلاحمًا. وسيظل هذا الحدث حاضرًا في الذاكرة الوطنية بوصفه محطة تؤكد أن الوحدة الوطنية ليست شعارًا نردده، بل عهد راسخ وممارسة يومية ومسؤولية مشتركة نحميها بالمحبة والوعي والتكاتف.

إن أصحاب الفكر المتطرف، مهما حاولوا نشر سمومهم وبثّ الكراهية بين أبناء المجتمع، لن يستطيعوا النيل من وطن تربّى أبناؤه على قيم الشهامة والنخوة والتسامح، ولا من شعب عرف عبر تاريخه كيف يصون وحدته ويحمي مكتسباته ويقف في وجه كل من يحاول العبث بأمنه واستقراره.

وسيبقى الأردن، بإذن الله، واحة للأمن والسلام، وموطنًا للمحبة والتسامح والعدل، وراية خفّاقة في سماء المجد، تنادي بالأخوة الإنسانية والعيش المشترك، وتؤكد أن اختلاف المعتقد لا ينتقص من حقوق الإنسان، وأن كرامة الإنسان وحياته وأمنه قيم راسخة لا يجوز المساس بها.

ومن جوار مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، نجدد عهدنا لوطننا وقيادتنا وشعبنا، بأن نبقى يدًا واحدة وقلبًا واحدًا، وأن نحفظ نعمة الأمن والاستقرار، وأن نصون علاقات الأخوة والجيرة، وأن نواجه خطاب الكراهية بالفكر المستنير، والتطرف بالاعتدال، والفرقة بالوحدة، والعدوان بالتمسك بالقيم الوطنية والإنسانية الأصيلة.

الخلود لمن نالت منهم رصاصة الغدر والخيانة ،  وألهم أهلهم وذويهم جميل الصبر وحسن العزاء، وحفظ الأردن قيادةً وشعبًا، وأدام على وطننا نعمة الأمن والاستقرار، وأبقى رايته عالية خفّاقة في ظل القيادة الهاشمية الحكيمة .

عاش الأردن عزيزًا آمنًا موحّدًا، وعاشت الأسرة الأردنية الواحدة بكل أطيافها ومكوّناتها، والخزي والعار لكل فكر متطرف يسعى إلى تمزيق وحدة الوطن وإشاعة الكراهية بين أبنائه.

ابن الوطن

الدكتور أحمد سلامة الحراحشة
مدير مديرية أوقاف الزرقاء
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions