م. مدحت الخطيب يكتب: لن تمرّوا فهذا الأردن الذي لا تعرفون !!

م. مدحت الخطيب يكتب: لن تمرّوا فهذا الأردن الذي لا تعرفون !!
نبأ الأردن -
حين تمتد يد الإرهاب إلى أبواب الكنائس، فهي لا تستهدف إخوتنا المسيحيين وحدهم، بل تستهدف الأردن بكل تاريخه وهويته وكرامته، وتحاول أن تطعن في صميم عقد وطني صاغه الأردنيون بالمحبة والدم والخبز والملح

ومن يظن أن الاعتداء على كنيسة يمكن أن يمرّ بوصفه استهدافًا لفئة دون أخرى، فهو لا يعرف الأردن، ولا يفهم طبيعة شعبه... ولا يفهم فكر هؤلاء فالإرهاب الذي اعتدى على المساجد في العراق وسوريا ولبنان واليمن هو ذاته الذي اعتداء على كنيسة حمود وهو ذاته الذي يحاول ضرب وحدة المجتمعات، مستغلًا الدين تاره ستارًا لجريمته والدين منهم براء ،

في الأردن، لم تكن الأخوّة يومًا شعارًا يُرفع عند الأزمات، بل كانت حياةً تُعاش كل يوم. تشاركنا الأفراح والأتراح، وتجاورنا في البيوت، والتقينا في مواقع العمل والعمل النقابي ، ودخلنا بيوت بعضنا دون أن نسأل عن دين أو طائفة. لم نحتج يومًا إلى دروس في المواطنة لنعرف أن الأردني أخو الأردني، وأن الوطن لا يتجزأ بتعدد أديان أبنائه، بل يزداد غنىً وتماسكًا بها

إن ما حدث اليوم في حمود الكرك ، والاعتداء على الموجودين أمام الكنيسة، ليس مجرد جريمة بحق أفراد، بل اعتداء على قيم الأردن ونسيجه الوطني. ومن يقف خلف هذا الفعل، أو يبرره، أو يحاول استثماره لإشعال الفتنة، عليه أن يدرك أن الأردنيين ليسوا مادةً سهلة لمشاريع التخريب، وأن هذا البلد ليس ساحة مفتوحة لأوهام المتطرفين وحسابات المتآمرين

الإرهاب لا دين له، والتطرف لا وطن له، والخيانة لا تصبح بطولة مهما تلحّفت بالشعارات، ومن يظن أنه قادر على شق صف الأردنيين فهو واهم؛ فهذه الأرض لم تجمعنا على أساس الطائفة أو الدين أو الجنس أو مسقط الراس ، بل جمعتنا الأخوّة والانتماء والمصير الواحد

إلى إخوتنا المسيحيين نقول: أنتم لستم ضيوفًا في هذا الوطن، ولسنا حماةً لكم من باب الواجب العابر؛ أنتم شركاء في تاريخه وبناء حاضره وصناعة مستقبله. مصابكم مصابنا، والاعتداء عليكم اعتداء علينا، وأمنكم من أمننا، وكرامتكم من كرامتنا. ولن ينجح أحد في تحويل الشراكة الوطنية إلى علاقة بين أكثرية وأقلية،

وإلى كل من يراهن على الفتنة نقول: لن نسمح لكم بأن تختاروا لنا من يكون أخانا، ولن نمنحكم حق العبث بهويتنا أو إعادة رسم علاقاتنا على مقاس أفكاركم السوداء. أنتم لا تواجهون أفرادًا متفرقين، بل شعبًا يعرف أن وحدته ليست منّة من أحد، ولا اتفاقًا مؤقتًا تحكمه الظروف، بل حقيقة راسخة في تاريخ الأردن ووجدانه

أما واجب الدولة اليوم، فلا يكتمل ببيانات الاستنكار وحدها؛ بل بمحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون، وكشف ملابسات الجريمة، ومواجهة الفكر المتطرف وتجفيف منابعه، وحماية المجتمع من كل خطاب يحوّل الاختلاف إلى عداوة، والدين إلى أداة للتحريض، والشباب إلى وقود لمشاريع الخراب

وفي سياق الحديث عن الجهات التي قد تستثمر في الفوضى والفتنة، لا يمكن تجاهل ما تثيره السياسات الإسرائيلية من مخاوف وتساؤلات بشأن استغلال الانقسامات الداخلية لخدمة المصالح السياسية

والأهم أن من ظنّ أن خطاب الملك أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وما حمله من مواقف كشفت ممارسات الكيان الصهيوني وعرّت سياساته أمام العالم، سيمرّ مرور الكرام، فهو واهم. فتعريته أمام المجتمع الدولي، وما يثار بشأن صلاته بمشاريع الفوضى والتطرف ومشغّليها، ليست أمورًا عابرة في حسابات السياسة. ومن يعتقد أن كشف الحقائق والمواقف الأردنية الثابتة لن تكون له تبعات، لا يقرأ المشهد جيدًا. ومع ذلك، فإن الاتهامات المحددة تظل بحاجة إلى أدلة واضحة؛ فمواجهة الإرهاب لا تكون بالظنون، بل بالحقيقة والمحاسبة

إن الأردن الذي نعرفه لا تُربكه جريمة، ولا تهزمه محاولة فتنة، ولا تسمح له جماعة متطرفة بأن تنسى تاريخه. فهنا تتجاور المآذن وأجراس الكنائس، لا على سبيل المجاملة، بل باعتبارها جزءًا من هوية وطن واحد، يؤمن أبناؤه بأن كرامة الإنسان مقدسة، وأن المواطنة لا تُقاس بالدين، وأن الدم الأردني لا لون له ولا طائفة

ولكل من يفكر في العبث بوحدتنا، نقولها بوضوح: لن تختاروا لنا مصيرنا ، ولن تحددوا لنا هويتنا، ولن تجعلوا من الأردن ساحة لأحقادكم

هذا الأردن ليس أرضًا سهلة للفتنة، وهذا الشعب ليس حطبًا لمشاريع الظلام، وهذه الأخوّة ليست خيطًا واهيًا تقطعه يد إرهابي مختل. ومن يراهن على خلاف ذلك، فليقرأ تاريخ الأردن جيدًا، وليفهم أن قوة هذا البلد لم تكن يومًا في تشابه أبنائه، بل في قدرتهم على الاختلاف دون أن يتفرقوا، وعلى حماية وطنهم دون أن يتخلوا عن إنسانيتهم

عاش الأردن وطنًا واحدًا، عصيًّا على الفتنة، ثابتًا في وجه التطرف، لا يقبل القسمة، ولا يسمح للظلام أن يطفئ نور الأخوّة بين أبنائه

تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions