عبدالهادي راجي المجالي يكتب : عن عاصم البرقان

عبدالهادي راجي المجالي يكتب : عن عاصم البرقان
نبأ الأردن -
 كان يأتيني إلى مركز الحسين الثقافي حين كنت مديرا له ، كان عاصم وقتها المترجم المعتمد للسفارة البولندية..هو المخول بالترجمة لوفود بولندا الرسمية في الأردن ، وكان يدرس مواد السياسة كمحاضر غير متفرغ في بعض الجامعات الخاصة .

عاصم تخرج من بولندا وزوجته بولندية ، وياما كنا نزور بمعيته سفارة بولندا ...كون سفيرها في ذلك الوقت كان دائم الزيارة لمركز الحسين الثقافي الذي كنت مديره ، وللمعهد الوطني للموسيقى ، هؤلاء الناس يعشقون الموسيقى أكثر من الهواء ، وقد نصبوا مجسما (لشوبان) في مركز الحسين الثقافي كهدية دولة لأمانة العاصمة .

كان عاصم يخبرني كثيرا عن بولندا ، ويريد مني أن نزورها سويا ، وأنا لم اتعامل مع الأمر على محمل الجد ..لكنه دخل يوما إلى مكتبي وبيده دعوة رسمية من عمدة وارسو لي كممثل عن أمانة عمان ، وأنا أعتذرت في البداية قلت له : (شو موديني ع بولند ا؟) ..لكن أخلاق الرجل ومزاحه وإصراره جعلني أقبل الدعوة ، كنت يومها أعاني من الالام الديسك .. وشعرت بتوريطة ، لكن اتصال السفير معي في ذات الليلة جعلني في النهاية أرضخ لرغبة عاصم البرقان .

بعد اسبوع سافرنا إلى بولندا ، لايوجد خط مباشر من الملكية (لوارسو) ، عليك أن تحط في مطار برلين ومن برلين تغادر إلى (وارسو) ....كان معنا في الوفد الزميل خالد الشقران وكان يومها مديرا لمركز دراسات الرأي ، وزميلة من (الجوردن تايمز) لا اتذكر اسمها ...عاصم لايصمت في الطائرة ظل يحدثني عن (حمود) وعن دارا ودانيال أولاده ، وفي مطار برلين بدأ يحدثني عن المناسف (بالعكوب) ..هو هاديء وصاخب ، جميل ونبيل ، هو أشبه بنسمات الكرك العذبة حين تهب في أول نيسان على المحيا ...وحدثني عن شقيقه المرحوم ناظم وعن المهندسة ايمان زوجته التي أسست مداميك الزراعة في لواء القصر، وجعلت كل نساء اللواء يتعلمن زراعة حدائقهن ...

في تلك الجلسة كان يقول لي عن العكوب : (وبتمعسو معس) في اللبن ، ضحكت يومها ..عاصم أمضى أكثر من (10) سنوات في بولندا ، وفي منزله بتحدث البولندية مع الأولاد وزوجته ، من أين نبش كلمة كانت جداتنا يتداولنها : (بتمعسو معس) ...المهم أننا غادرنا (لوارسو) ونسيت هاتفي على طاولة المقهى في المطار وحملت عاصم كامل المسؤولية ...لقد (معس ) الألمان هاتفي ، عدت ولم أجده .

وصلنا وارسو ، يومها بصفته المترجم والرجل الذي يعرف بولندا جيدا وعاش فيها أخبرته بأني لا أفيق مبكرا ، وعليه أن يجد لي عذرا في اللقاءات الصباحية المبكرة ، وتم الأمر ، كنت أبقى نائما ويذهب الزميل خالد الشقران وزميلتنا من الجوردان تايمز ..لكن في الليل كنت أنا وعاصم نطوف (وارسو) شارعا شارعا ...ذهبنا لكل مطاعمها ، وأنا قسمتها بحسب جغرافيا الكرك ..فكلما دخلنا منطقة كنت أقول له : (هذي زحوم) فيرد علي : (لا لا هذي الوسيه) ....هكذا كانت الرحلة في الليل لاشوارع تتسع خطانا ، وضحكاتنا يرتد صداها من الجدران ...والكرك كانت حاضرة في كل مطعم وكل زاوية ، حتى في عيون البولنديات ..

في اليوم الخامس من الزيارة ، دعانا عمدة مدينة (كاركوف) ..وركبنا القطار مدة (3) ساعات ونصف ..كنا في كابينة واحدة أنا وعاصم ، الأصل أن نتحدث عن بولندا ..والأصل أن يعطيني من خبرته وتجربته ويحدثني عن ثقافة البلد وتاريخه ، لكن الكرك كانت حاضرة أيضا في كابينة القطار ..كان يحدثني عن أخيه ناظم وزوجة أخيه المهندسة ايمان بطارسة ، وأنا كنت أعرف ناظم جيدا ..ناظم كان مثل جدار القلعة الشرقي في الكرك من منا لايعرف ناظم ؟ كل العيون تعشق رؤيته ...وعاد لاستحضار مصطلحات كانت تخرج منه بعفوية ، كان يحدثني عن حديقة منزل ناظم ويقول لي : (الأرض سهمدها ناظم..ومثل الكف صارت) ...وزمليتنا في الجوردن تايمز ، كانت تنظر لي وتحاول أن تفهم معنى (سهمدها) ...واستمر الضحك بيننا ، وأقنعني أن أهم وجبة في بولندا هي (الكرشات) ...أنا صدقت ، ما أكلته يومها في مطعم القطار لايمت للكرشات بصلة ..لكني كنت جائعا وأكلت ، ثم أخبرني أن هناك (ملوخية) في كاركوف وكنت أصدقه ، فروحه جعلتنا نعيش لحظات الفرح بكل تفاصيلها .

حين وصلنا الفندق في (كاركوف) ..قرر أن يأخذني لقلب المدينة كي نتناول العشاء ، وأخبرني أن الفندق الذي نقيم فيه كان مقرا في الحرب العالمية لقيادة الرايخ الألماني الثالث ، أخبرني أيضا أن هذا الفندق وفي القبو الخاص به جرى اعدام ألف ضابط بولندي ، وأن جيران الفندق يسمعون في الليل صيحات الضباط البولنديين ..وقال لي إذا لم تستطع النوم فالأمر عادي جدا ، حين عدنا في الثانية صباحا لم استطع النوم ..فذهبت لغرفته ، بدأ يضحك ... الحقيقة أن الفندق كان مقرا للرايخ الثالث ، لكن قصة الإعدامات وصراخ الموتى أضافها عاصم من عنده لإخافتي فقط ، وطوال الليل ظل يضرب الأخماس بأسداس ويقول لي : (له يا اخو خضرة بتخاااف ...؟؟؟) .

ربما لو أردت أن اروي لكم تفاصيل الرحلة لاحتجت لألف صفحة ، عاصم قد تعيش معه عاما كاملا في سجن مغلق ، ويجعلك تضحك وتنسى السجن ...عاصم لايحب الصمت يجب أن تتحدث معه ، ويجرؤ أن يتحدث في كل شيء ..في كل تفصيل ، وعاصم لم يعبس في حياته ولم يقابل أحدا بوجه حزين .

حين عدنا عمان ، تألم عاصم من قدميه ..لقد أصيبت بانتفاخ ، السبب بالطبع كان الجلوس الطويل على مقعد الطائرة دون حركة ، وأنا اقترحت عليه وضعها في (ماء وملح) ...وهو وافق ، لكنه استدرك قائلا : (انت مفكرنا في حمود ايجيبولنا ع ارتفاع 30 الف قدم طنجرة فيها ميه وملح) ...المهم وصلنا عمان ، وعاصم خلع حذاءه وأنا تضامنا معه خلعت حذائي ، وعبرنا المطار والجوازات والسوق الحرة حفاة .

جاءت سيارة من أمانة العاصمة لأخذنا ، وعاصم أراد أن نذهب للجمرك من أجل تناول المشاوي ..أصر يومها وفعلا لم نعد لمنازلنا بعد الرحلة التي استمرت ثمان ساعات ، وذهبنا للجمرك بحسب رغبة عاصم ..

بعد الزيارة كنا نتحدث يوميا ونشاهد بعضنا وقررنا خوض قتال شرس ، لكي يأخذ الدكتور عاصم البرقان مكانه في جامعة تستحق أن تحتضن عقله المستنير وكل ما يحمل من حب وعفوية ، وأمضينا أياما في الذهاب والعودة من الجامعة الهاشمية ...واحتضنته الجامعة ، وكان أجمل أساتذتها وأحلى فتى قدمته الكرك ..لقد حصل على الوظيفة بكفاءته وبما يحمل من غزارة علم ، وبما يعرف عن تاريخ أوروبا الشرقية وأزمتها بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ، احتلفنا يومها بالتعيين ...واتفقنا أن يبقى المترجم المعتمد للسفارة البولندية في عمان .

انكمش تواصلنا ، بحكم انشغاله في الجامعة والمشوار الطويل ، لكن الهاتف بقي بيننا ..وفي كل مكالمة كنت أسأله : (بروح ابوك يا عاصم شو اللي طعميتني اياه في القطار ببولندا) ..وعاصم ظل يضحك مات ولم يجب ، كان ينهي الحديث بجملة : (بس اشوفك بقلك) ..

لقد استشهدت يا صديقي ، وأنا لم اعرف اسم الوجبة التي تناولناها في القطار الذاهب لكاركوف ..لكني أعرف أني أكلت (المر) حين سمعت بخبر استشهادك ، ليست هذه هي الكرك التي أورثنا اياها أهلنا ..هذه ليست هي الكرك التي كنا نتذكر قراها وتفاصيلها وأجدادنا الذي ولدوا فيها واختاروا ترابها مستقرا أخيرا لهم ..

لقد أوجعت قلبي ، وأوجعت الكرك أنت وأبناء عمومتنا الشهداء الذين سقطوا معك .....لكن الصليب يا ابن عمي في كركنا الحبيبة سيبقى أردنيا ، وسيبقى منصوبا على الصدور وعلى أسطح البيوت ،على قباب الكنائس ..قد يغتالون فردا هنا أو فردا هناك ، لكنهم حتما لن يستطيعوا أن يغتالوا الصليب في الكرك ..ولن يستطيعوا أن يغتالوا الحب ولن يغتالو جدائل الصبايا وذكرياتنا ....ستبقى هي الكرك أم المدن وأحلاها رغما عن أنفهم ...
يا عاصم .

سأسأل ابنك دانيال حين أراه ، ماذا أطعمني عاصم في رحلتنا إلى كاركوف ..إن لم يكن لدى جيلنا يا عاصم إجابة فتأكد أن جيل دانيال ودارا سيمتلكون الإجابات ..سيمتلكون كل الإجابات – حماهم الله-

واسمح لي أن أبكيك قليلا ، فالبكاء يغسل الروح المتعبة .
عبدالهادي راجي المجالي
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions