د مي خالد بكليزي تكتب : حين تنتصر الألفة على الفتنة
نبأ الأردن -
لا صوت يعلو فوق صوت التآخي والألفة اللذين تجلّيا بأبهى صورهما عقب فاجعة كنيسة الكرك، ولا صورة أبهى من مشهد التعاضد والتماهي الذي رأيناه جميعًا في ردّة الفعل الأردنية، مسلمين ومسيحيين، إزاء هذه الجريمة؛ مشهدٌ أعاد التأكيد أن ما يجمع الأردنيين أعمق من كل ما قد يفرّقهم، وأن نسيج المجتمع الأردني، بما يحمله من قيم التسامح والتآلف، عصيّ على التمزّق والانقسام.
إن الجريمة، مهما كانت دوافعها والجهة المسؤولة عنها، لن تفتّ في عضد هذه الوحدة، ولن تنال من هذا التواشج الأصيل الذي يشكّل جوهر الهوية الوطنية الأردنية. فالمحن، على قسوتها، تكشف حقيقة المجتمعات، وتضع قيمها أمام امتحان حقيقي، وقد أثبت الأردنيون، في هذا الامتحان، أن وحدتهم ليست مجرّد شعار، بل ممارسة حيّة تتجلّى في المواقف، وتترسّخ في لحظات الشدّة.
لقد نجحنا في هذا الامتحان، لكن نجاحنا لا ينبغي أن يكون نهاية الموقف، بل بداية لمزيد من التماسك والوعي والمسؤولية. نحن اليوم أحوج ما نكون إلى أن نتمسّك بهذه الروح الجامعة، وأن نتماهى معًا في مواجهة كل ما من شأنه أن يزرع الفرقة أو يهدّد السلم المجتمعي؛ فليس أخطر على الأوطان من أن تتحوّل الجريمة إلى مدخل للفتنة، وليس أبلغ في مواجهتها من أن يتحوّل الألم إلى موقف وطني جامع.
لقد وُلدت هذه الفتن ميتة ما دامت تصطدم بوعي شعبٍ يدرك أن اختلاف الدين لا يلغي وحدة المصير، وأن المواطنة الحقيقية تتجاوز الانتماءات الضيقة إلى انتماء أوسع، قوامه الأرض والإنسان والكرامة المشتركة.
إن الأردن الذي بُني على التسامح والتآلف، وعلى التفاعل الأصيل بين مكوّناته، قادر على أن يحوّل المحن إلى شواهد على قوته، وأن يثبت في كل مرة أن وحدته ليست طارئة تفرضها الظروف، بل نسيج أصيل من تاريخه ووجدانه.
























