د. أمجد الفاهوم يكتب: الكرك في وجدان الوطن ووحدتنا الوطنية فوق كل اعتبار
نبأ الأردن -
ثمة أحداث موجعة لا تقف آثارها عند حدود المكان، بل تمتد إلى ضمير الوطن كله، فتوقظ فينا مشاعر الحزن والألم، وتضعنا أمام مسؤوليتنا الأخلاقية والوطنية في حماية ما يجمعنا. وما شهدته الكرك العزيزة من أحداث مؤسفة يدعونا جميعًا إلى الوقوف وقفة ضمير، نعبّر فيها عن عميق مواساتنا لكل قلب تألم، ونعلن بأعلى درجات الاستنكار رفضنا القاطع لكل فعل أو خطاب يحاول المساس بوحدتنا الوطنية أو النيل من نسيجنا الاجتماعي.
الكرك ليست مجرد مدينة على خارطة الأردن، بل هي صفحة مشرقة من تاريخه، وذاكرة وطنية عامرة بالكرامة والشهامة والمروءة، وبيت أصيل من بيوت الأردنيين جميعًا. وحين تتألم الكرك، يتألم معها الوطن من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه؛ لأن ما يجمع الأردنيين أعمق من الجغرافيا، وأرسخ من كل محاولة لإثارة الفرقة أو زرع الشك بين أبناء الأسرة الواحدة.
إننا إذ نستنكر بشدة كل اعتداء على كرامة الإنسان وأمنه وسلامته، وكل محاولة لاستغلال الأحداث المؤلمة لإثارة العصبيات أو تأجيج المشاعر أو تعميق الانقسامات، فإننا نؤكد أن حرمة الدم وكرامة الإنسان وسيادة القانون ثوابت لا تقبل المساومة. فلا غضب يبرر الاعتداء، ولا خلاف يبيح الإساءة، ولا انتماء ضيق يجوز أن يتقدم على الانتماء إلى الأردن.
وفي هذه اللحظات، تتجه قلوبنا بالمواساة الصادقة إلى كل أسرة أصابها الحزن، وإلى كل أم أوجعها الخوف، وكل أب أثقل الألم قلبه، وكل إنسان شعر بأن الطمأنينة التي يستحقها قد اهتزت. إن المواساة الحقيقية لا تكتمل بالكلمات وحدها، بل تتجسد في موقف إنساني مسؤول، يحفظ الكرامات، ويصون الحقوق، ويمنع أن يتحول الألم إلى ألم أكبر.
ولعل أخطر ما قد يصاحب الأحداث المؤسفة هو أن تمتد آثارها إلى النفوس، فتتحول الواقعة الفردية إلى أحكام جماعية، ويصبح الاختلاف ذريعة للتشكيك في الآخرين. وهنا تكمن مسؤولية العقلاء وأصحاب الكلمة والمكانة الاجتماعية والمؤسسات الوطنية في تهدئة النفوس، وإعلاء صوت الحكمة، ورفض الشائعات وخطابات التحريض، وترك معالجة الوقائع للجهات المختصة وفق أحكام القانون والعدالة.
لقد عرف الأردنيون، عبر تاريخهم، كيف يحوّلون المحن إلى مواقف تضامن، وكيف يتجاوزون أصعب اللحظات بالحكمة والتكافل واحترام بعضهم بعضًا. ولم تكن وحدتنا يومًا مجرد شعار نردده في المناسبات، بل كانت ممارسة يومية نراها في الجيرة والمصاهرة والعمل المشترك، وفي الوقوف إلى جانب بعضنا ساعة الشدة، دون سؤال عن الأصل أو المنطقة أو العائلة.
إن حب الأردن لا يُقاس بحدة العبارات، بل بقدرتنا على حماية بعضنا بعضًا حين تشتد الانفعالات، وبشجاعتنا في قول كلمة الحق دون إساءة، وفي المطالبة بالعدالة دون انتقام، وفي الدفاع عن كرامة الإنسان دون تمييز.
وإلى أهلنا في الكرك نقول: إن وجعكم وجعنا، وكرامتكم من كرامتنا، وأمنكم من أمننا. لستم وحدكم في هذه اللحظة، فقلوب الأردنيين الصادقين معكم، ومحبتهم لكم أكبر من أن تهزها حادثة أو أن تضعفها دعوة إلى الفرقة.
فلنكن جميعًا على قدر هذه اللحظة، ولنحمِ أبناءنا من لغة الكراهية، ولنعلّمهم أن قوة الوطن تكمن في عدالته وتراحمه ووحدة أبنائه، وأن الاختلاف مهما اشتد لا يسقط حق أحد في الاحترام والأمان.
ستبقى الكرك عزيزة بأهلها وتاريخها ومكانتها في قلوبنا، وسيبقى الأردن بيتنا الكبير الذي لا نسمح أن تتصدع جدران محبته بفعل التعصب أو التحريض.
رحم الله من فقدنا، وشفى كل مصاب، وربط على قلوب المكلومين، وحفظ الكرك وأهلها، وحفظ الأردن عزيزًا آمنًا موحدًا، بقيادته الهاشمية الحكيمة، وبوعي أبنائه وتراحمهم.
فالأوطان لا تُصان بالكلمات وحدها، وإنما بالعدل والحكمة والمحبة، وبإيمان راسخ بأن كرامة كل أردني هي من كرامة الأردن كله.
























