رحاب القضاة تكتب : الجمعة السوداء
نبأ الأردن -
أيُّ قلبٍ يطلق النار على بيتٍ من بيوت الله؟!
الكرك تنزف… والأردن وطنٌ يتّسع لجميع أبنائه
الكرك تنزف… والأردن أكبر وأقدس من أن تفرّقه رصاصة
كيف يُطلَق الرصاص على كنيسة؟!
كيف يستطيع إنسانٌ أن يوجّه سلاحه نحو بيتٍ من بيوت الله في مكانٍ كان ينبغي أن تُصان فيه الأرواح وتُحترم فيه حرمة الموت ويجد فيه الخائفون سكينةً لا رعبًا وأمانًا لا دماء؟!
كيف يصل بنا العنف إلى هذه الدرجة من القسوة حتى تصبح جنازةٌ يلتقي فيها الناس لوداع فقيد مشهدًا للفزع والموت؟
كيف يذهب إنسانٌ ليواسي عائلةً مكلومة فيجد نفسه أمام رصاصٍ لا يفرّق بين قلبٍ جاء حزينًا ويدٍ امتدت للمواساة وروحٍ لم تحمل إلى المكان سوى واجبها الإنساني؟!
بأيِّ منطقٍ يُستباح بيتٌ من بيوت الله؟
وبأيِّ قلبٍ يُروَّع الآمنون في مكانٍ اجتمعوا فيه على الحزن؟
أيُّ وجعٍ هذا الذي نكتبه وأيُّ كلماتٍ يمكنها أن تتّسع لفاجعةٍ كهذه؟!
ليست القضية جدران كنيسة ولا بابًا أصابه الرصاص ولا خبرًا عاجلًا تتناقله الشاشات.
القضية هي الإنسان الذي كان هناك والأم التي قد تنتظر ابنها والطفل الذي لا يعرف لماذا لن يعود أبوه والعائلة التي خرج أحد أفرادها ليشارك في وداع إنسان فإذا بها تواجه احتمال أن تصبح هي الأخرى عنوانًا للفقد.
القضية أن الرصاصة حين تنطلق لا تسأل عن ديانة صاحب الجسد ولا عن صلاته ولا عن الكتاب الذي يقرأه ولا عن الكلمات التي يرفع بها قلبه إلى السماء. الرصاصة لا ترى سوى الدمار الذي تتركه ولا تعرف أن خلف كل إنسانٍ تسقطه حياةً كاملة وأن خلف كل حياةٍ بيوتًا ستظلّ أبوابها تنتظر عودةً لن تحدث.
لكن السؤال الذي يوجع القلب أكثر من الرصاص نفسه: كيف يمكن لإنسانٍ أن ينسى إنسانيتَه إلى الحدّ الذي يجعله يستبيح حرمة الآخرين وأرواحهم؟!
هذه أرض الأردن أرضٌ لم تكن يومًا ملكًا للخوف ولا ينبغي أن تكون يومًا ساحةً للكراهية بين أبنائها.
على هذه الأرض نعيش بمختلف أطيافنا الدينية وتتنوع أماكن عبادتنا لكننا نلتقي في حقيقةٍ أعمق من كل اختلاف: أننا بشر وأن لكلٍّ منا حقًّا في الحياة والأمان والكرامة.
هنا في هذا الوطن
لا ينبغي أن يشعر مسيحيٌّ أن كنيسَته أقلّ حرمة ولا أن يشعر مسلمٌ أن مسجدَه مهدّد ولا أن يظنّ أيّ إنسانٍ أن اختلاف عقيدته قد يجعله أقلّ استحقاقًا للحماية.
إذا لم يُرفع الأذان في مسجدٍ لسببٍ ما فسيأتي يومٌ يُرفع فيه وإذا سكتت أجراس كنيسةٍ حزنًا فستعود لتقرع.
أمّا إذا سكت صوت الإنسان تحت الرصاص فمن يعيد إليه صوته؟!
نحن لا نريد وطنًا يتعايش فيه الناس على مضض ولا وطنًا يقف فيه أحدهم متوجّسًا من الآخر ولا وطنًا يضطرّ فيه إنسانٌ إلى إثبات براءته من جريمةٍ لم يرتكبها لمجرد أنه ينتمي إلى دينٍ أو طائفة.
نريد وطنًا يقف فيه المسلم إلى جانب المسيحي لا بوصفه غريبًا يحتاج إلى إذنٍ كي ينتمي بل بوصفه أخًا في الأرض شريكًا في الذاكرة
وصاحب حقٍّ كامل في هذا الوطن.
نريد أن تكون الكنيسة آمنةً كما نريد للمسجد أن يكون آمنًا وأن يكون الدعاء في مكان العبادة مصدر طمأنينة لا مناسبةً للخوف على من يصلّون.
فأيُّ انتصارٍ يمكن أن يحققه العنف إذا جعل أمًّا تبكي ابنها؟
وأيُّ قضيةٍ يمكن أن تبرّر إخافة طفل؟
وأيُّ فكرةٍ تستحق أن يُدفع ثمنها من دم إنسانٍ ذهب إلى جنازة ولم يكن يتخيّل أن حياته قد تنقلب في لحظةٍ إلى فاجعة؟! ويكون هو الجنازة
لا شيء يبرّر استباحة الأرواح.
لا خصومة ولا خلاف ولا غضب ولا أيُّ ذريعةٍ يمكن أن تُمنح حقًّا في سلب إنسانٍ حياته أو ترويع الآمنين.
محافظتي الحبيبة الكرك إن وجعكم ليس شأنًا محليًّا عابرًا إنه جرحٌ في الضمير الأردني كله.
إلى العائلات التي تعيش الآن ساعاتٍ ثقيلة إلى من ينتظرون خبرًا وإلى من تلقّوا خبرًا لم يكونوا مستعدين لسماعه: لا توجد كلماتٌ تعوّضكم عن أحبتكم ولا مقالٌ يستطيع أن يردّ الحياة إلى أصحابها. لكنّ مصابكم ليس تفصيلًا يمرّ في يومنا ثم ننساه إنّه تذكيرٌ موجع بأن أمن الإنسان ليس أمرًا ثانويًّا وأن واجبنا تجاه بعضنا لا ينتهي عند حدود بيوتنا أو معتقداتنا.
تخيّلوا الأردن لو أن كل أمٍّ لم تعد تخاف على ابنها وحده بل على كل شابٍّ يسير في الشارع.
لو أن كل طفلٍ تعلّم أن يخاف من اختلاف الآخرين بدل أن يتعلّم احترامهم.
لو أن كل جرس كنيسةٍ أو أذان مسجدٍ أصبح سببًا للقلق بدل أن يكون جزءًا من حياةٍ طبيعيةٍ آمنة.
أيُّ وطنٍ سنتركه لأبنائنا إن سمحنا للخوف بأن يربّيهم بدلًا منّا؟!
نحن مدينون لأطفالنا بأردنٍّ لا يحتاجون فيه إلى السؤال عن ديانة زميلهم قبل أن يصادقوه ولا إلى معرفة طائفة جارهم قبل أن يطمئنّوا إليه.
مدينون لهم بوطنٍ يتعلّمون فيه أن الإنسان لا يُقاس بما يختلف فيه عنك بل بما يحمله من كرامةٍ وحقٍّ في الحياة.
فليكن واضحًا: الكنيسة ليست غريبةً عن الأردن والمسجد ليس غريبًا عن الأردن وكل إنسانٍ يعيش على هذه الأرض بكرامةٍ وأمان هو جزءٌ من حكايتها ومستقبلها.
لسنا بحاجةٍ إلى أن نتشابه في كل شيء كي نحمي بعضنا بعضًا نحن بحاجةٍ فقط إلى أن نتفق على أن الدم ليس مباحًا وأن العبادة ليست جريمة وأن الاختلاف لا يمنح أحدًا حقّ الاعتداء.
رحم الله الضحايا وشفى المصابين وربط على قلوب ذويهم وحفظ الأردن من الفتن والعنف والكراهية.
وليعرف كل من يقرأ هذه الكلمات أن قوة الوطن لا تُقاس بارتفاع صوته في لحظة الغضب بل بقدرته على حماية أبنائه وإقامة العدل ومنع الجريمة من أن تتحوّل إلى فتنةٍ تأكل ما تبقّى من الطمأنينة.
نحن على هذه الأرض معًا
لا تجمعنا الحجارة وحدها بل تجمعنا الحياة والخبز والجيرة، والدمعة، والرجاء. وإذا بكى أردنيٌّ اليوم فلا ينبغي أن نسأله أولًا إلى أيّ دينٍ ينتمي بل أن نسأله: كيف نخفّف وجعك؟
وفي النهاية
سيبقى الأذان أذانًا وستبقى أجراس الكنائس أجراسًا وستبقى أماكن العبادة أبوابًا مفتوحةً للرجاء ما دام في هذا الوطن من يحمي حقّ الإنسان في أن يؤمن ويصلّي ويعيش آمنًا.
أمّا الرصاص
مهما علا صوته فلا ينبغي أن يكون أعلى من صوت العدالة ولا أقوى من ضمير الناس ولا أقدر من إرادة وطنٍ يعرف أن أبناءه على اختلاف أديانهم ليسوا خصومًا في أرضٍ واحدة إنهم شركاء في بيتٍ واحد اسمه الأردن.
فلا تجعلوا رصاصةً تسرق منّا إنسانًا ثم تسرق منّا وطنًا.
























