د. تامر المعايطة يكتب : إدارة الاحتجاجات في أوروبا.. قراءة أمنية
نبأ الأردن -
أتابع باهتمامٍ كبير، لكن بعين أمنية أكثر مما هي سياسية، تلك الاحتجاجات التي تجتاح عدداً من الدول الأوروبية، وهي كما يُعلن أنها متعلقة بأزمة المعيشة والإسكان، وتراجع الخدمات العامة. وليست ذات ارتباطات سياسية، ورغم أن الفعاليات الكبرى اتسمت بطابع سلمي غالباً، غير أن مجموعات هامشية وعناصر محدودة حولت أجزاء منها إلى أعمال شغب ونهب، خاصة في فرنسا.
من المستقر عليه في العلوم الأمنية، أن نجاح إدارة الاحتجاجات لا يُقاس بحجم القوة المستخدمة، أو بعدد المشاركين في التظاهرات، بل بمدى قدرة الدولة وأجهزتها الأمنية، على منع تحول الاحتجاجات من ظاهرة اجتماعية أو سياسية، إلى تهديد للأمن المجتمعي والسلم الأهلي. فالإنجاز الأمني الحقيقي لا يتمثل في منع الاحتجاجات، ولا في تفريقها، بل في إدارة المخاطر المصاحبة لها. فكلما انخفضت الخسائر البشرية، وتراجعت أعمال العنف والتخريب، واستمرت مؤسسات الدولة في أداء وظائفها، ولم تتعطل حركة الحياة العامة، أمكن اعتبار ذلك النموذج الأمني أكثر نجاحاً.
ولا شك بأن العديد من الدول الأوروبية تمتلك خبرات متقدمة في إدارة الحشود، وخبرات الحوار مع منظمي الاحتجاجات، إلا أن بعض الاحتجاجات تحولت بالفعل إلى أعمال شغب، ومواجهات عنيفة، وخسائر واسعة في الممتلكات العامة والخاصة، كما شاهدنا بالتقارير الإخبارية، ولدراسة ذلك من الناحية الأمنية، فإنه ينبغي الاستناد إلى مؤشرات أمنية قابلة للقياس، من أبرزها:
- عدد الإصابات والوفيات بين المحتجين ورجال الأمن لكل فعالية احتجاجية.
- نسبة الاحتجاجات التي انتهت سلمياً مقارنة بإجمالي الاحتجاجات.
- حجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والممتلكات العامة والخاصة.
- عدد الاعتداءات المسجلة ضد أفراد الأمن أو ضد المحتجين.
- مدة استمرار الاضطرابات قبل استعادة الوضع الطبيعي.
- مستوى الثقة العامة بالمؤسسات الأمنية.
- قدرة مؤسسات الدولة والخدمات الحيوية على مواصلة عملها أثناء الاحتجاجات.
- نسبة الاحتجاجات التي انتقلت من الطابع السلمي إلى أعمال شغب أو عنف منظم.
- قدرة الأجهزة الأمنية على عزل العناصر العنيفة دون توسيع دائرة المواجهة.
- عدم انتقال الاحتجاجات إلى انقسامات مجتمعية أو اضطرابات ممتدة زمنياً.
وبالاستناد إلى هذه المؤشرات، فلا شك أن هناك نجاحات أمنية كبيرة في إدارة الاحتجاجات، حيث هناك استمرار واضح للخدمات الحيوية، بالإضافة إلى أنه لم تنتقل الاحتجاجات إلى انقسامات مجتمعية ممتدة، ولم تتعطل الحياة اليومية، غير أنه في المقابل، واجهت الأجهزة الأمنية الأوروبية صعوبة في عزل العناصر العنيفة وسط الحشود الكبيرة، مع اعترافات رسمية بثغرات في التقدير والاستجابة الميدانية. كما أن الإصابات والأضرار بقيت مرتفعة نسبياً مقارنة بحجم المسيرات السلمية، وحجم الاعتقالات يعتبر مرتفع نسبياً. مما ساهم برفع التكلفة الأمنية والسياسية.
كانت الملاحظة الأبرز التي يمكن تسجيلها بوضوح هي سرعة انتقال الاحتجاجات من دولة إلى أخرى خلال أسابيع، مشابهة لما مرت به عدد من الدول العربية سابقاً، مما يعني الحاجة إلى تطوير مفاهيم وسياسات ومنهجيات أمنية جديدة، تعتمد على فهم مستجدات الأحداث المرتبطة بالعالم الرقمي، وأن التهدئة والاحتواء واستمرار الحوار تبقى الأصلح أمنياً في مواجهة هذا النمط من الاحتجاجات.
د. تامر المعايطة.
























