د.منذر الحوارات يكتب: شكل الحرب القادمة
نبأ الأردن -
منذ اليوم الأول للحرب الأميركية الإيرانية، توقع كثيرون أن تذهب المواجهة نحو مسارات لم يكن مخطط لها أصلا، فمن حرب الأيام الاثني عشر، مرورا بحرب الأربعين يوما، ما زلنا نشهد تطورات متلاحقة، طالت مواقع عسكرية وقطاعات حيوية، أهمها الطاقة والمضائق، وتعطيل الملاحة في مضيق هرمز، واستهداف ناقلات النفط والمنشآت النفطية، في محاولة لرفع الكلفة الاقتصادية للحرب على الولايات المتحدة ودول المنطقة والعالم.
لكن إذا اعتبرنا الحرب الحوثية الحالية فصلا من فصول الحرب الأميركية الإيرانية، بحكم التحالف الوثيق وتقاسم الأدوار، سنجد أن تطورا خطيرا قد طرأ، خصوصا بعد تعثر السيطرة على مضيق باب المندب، تمثل في استهداف المنشآت المدنية واعتبارها أهدافا مشروعة، وهنا تأخذ الحرب شكلا يستحق التوقف عنده، فالمسافة الآمنة بين الصاروخ والمنشآت المدنية ضاقت إلى أبعد الحدود، وأصبح المسافر والمنشأة المدنية جزءا من الحرب، ودخلت أطراف كثيرة فيها دون أن تكون لها يد في إشعالها.
هذا الواقع كشفته المواجهة بين الحوثيين والحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، وما رافقها من هجمات على المملكة العربية السعودية، التي اعترضت دفاعاتها الجوية كثيرا من الصواريخ، بينما وصلت أخرى إلى أهدافها وأوقعت ضحايا وأضرارا، وهنا تظهر معضلة حماية المنشآت وحركة الناس في دولة واسعة المساحة، فقد تنجح في صد عشرات الهجمات، ثم تأتي ضربة واحدة لتعطل الرحلات، وتربك الاقتصاد، وتترك جروحا غائرة في أرواح عائلات كثيرة، فالمسألة لا تتعلق بمبنى أصيب أو رحلة تأخرت، بل بأناس كانوا ينتظرون الوصول إلى بيوتهم، وبأسر لم تتخيل أن يصبح المطار، وهو بوابة اللقاء والسفر، مكانا للخوف.
المشكلة أن جماعة الحوثيين لم تعد خبراتها تتوقف عند استخدام الأسلحة المستوردة، بل باتت تمتلك المعرفة التقنية والخبرة في تصنيع أسلحة متطورة، ووسائل توجيه وملاحة تمكنها من إصابة أهداف بعيدة، ما يجعلها أقل تأثرا بتعثر الإمدادات الإيرانية، وهذا يزيد المواجهة تعقيدا، دون أن يلغي حسابات الحوثيين الداخلية وطموحهم في السلطة، فالخطر لم يعد في امتلاك الصاروخ وحده، بل في انتقال المعرفة التي تتيح إنتاجه وتطويره وإطلاقه، حتى بعد تدمير مخازن السلاح.
ما يقوم به الحوثيون قد يقدم مؤشرا خطيرا إلى أدوات الضغط التي يمكن أن تستخدمها إيران إذا تعرضت لهجوم أميركي جديد، فإلى جانب الصواريخ وتعطيل الملاحة، قد تصبح الحياة اليومية للناس ساحة للاستهداف.
وإذا فشلت جهود الاتفاق بين ترامب والقيادة الإيرانية، فإن محاولات طهران رفع أسعار الطاقة قد ترتبط بحساباتها تجاه الانتخابات النصفية الأميركية، أملا بإضعاف فرص حزب ترامب، وهناك احتمالان: إما أن يفوز الجمهوريون، فيحصل ترامب على غطاء نيابي أوسع لقراراته، أو يخسروا، فيحمّل إيران جزءا من المسؤولية.
في الحالة الأولى، قد يلجأ ترامب إلى ضربات لإجبار طهران على تنازلات ترضيه، وفي الثانية قد تدفعه الرغبة في الانتقام إلى ضربات أشد، وفي الحالتين، يحتمل أن ترد إيران، مستهدفة دول الجوار وهرمز، لكن الولايات المتحدة استطاعت تأمين قدر من الملاحة، كما وجدت دول الخليج بدائل جزئية لتصدير النفط، ما قد يدفع طهران إلى البحث عن وسائل أكثر إيلاما، فحين تتراجع فاعلية أدوات الضغط التقليدية، قد يتسع التفكير في استهداف ما يمس الناس، لا ما يمس الاقتصاد وحده.
وإذا عدنا إلى تجربة الحوثيين في استهداف المنشآت المدنية، فقد تكون نموذجا تختبر طهران نتائجه، صحيح أن إيران دولة تخضع لالتزامات القانون الدولي، بخلاف الطبيعة المليشياوية للحوثيين، لكن عندما يصبح بقاء النظام مهددا، فقد يتصرف بمنطق الغريق الذي لا يخشى البلل، ويوسع دائرة المتضررين لتشمل الخليج والأردن، فتغدو منشآت النفط والمياه والكهرباء والمطارات، وربما التجمعات السكانية، أهدافا محتملة.
في مثل هذه الحالة الصفرية، تتراجع اعتبارات القانون الدولي أمام هاجس البقاء ولذلك بات واجبا على دول المنطقة التفكير في شكل الحرب القادمة من داخل مجتمعاتها: كيف يستمر تدفق المياه والكهرباء والغذاء؟ كيف تواصل المستشفيات عملها؟ وما البدائل إذا تعطلت المطارات والطاقة والاتصالات؟ وكيف نعزّز الدفاعات الجوية ونراجع إخفاقاتها في بعض الأحيان؟ والأهم، كيف نحمي ثقة الناس بمؤسساتهم حين تطول الأزمة، ويصبح القلق جزءا من تفاصيل الحياة اليومية؟
كل ذلك يحتاج إلى جاهزية مدنية وتنسيق إقليمي ومصارحة مسؤولة مع الناس، فالدفاع عن المجتمع لا يبدأ عند إطلاق صفارات الإنذار، بل قبل ذلك بسنوات من التخطيط واختيار البدائل.
هذا السيناريو مشروط بفشل التسوية، وقرار أميركي بضرب إيران، وفشل تطويع إيران، ورد إيراني يحاكي أسلوب الحوثيين، فالمنطقة ممتلئة بالصواريخ والمسيرات التي قد تغير اتجاهها من تل أبيب إلى الرياض والكويت وعمان وعواصم الخليج، والأردن.
























