د. ماهر القيسي يكتب: التوجيهي الأردني...
نبأ الأردن -
من شهادة كانت عنوانًا للتميز إلى شهادة تحتاج أن تثبت نفسها؟
لطالما ارتبطت شهادة الدراسة الثانوية العامة الأردنية، أو ما يعرف بـ(التوجيهي) في الوعي الأردني والعربي بأنها أكثر من مجرد شهادة مدرسية؛ فقد كانت لسنوات طويلة محطة تعليمية فاصلة، واختبارًا جادًا لقدرات الطالب، وبوابة للالتحاق بالجامعات الأردنية والعربية، وشهادة اكتسبت سمعة قائمة على صعوبة امتحاناتها وصرامتها ودقة إجراءاتها.
ولم يكن التوجيهي الأردني مجرد امتحان يقيس قدرة الطالب على الحفظ والاسترجاع، بل كان ــ في مراحل عديدة من تاريخه ــ امتحانًا مركزيًا موحدًا يخضع له الطلبة في مختلف مناطق المملكة، ويؤدي دورًا مهمًا في ترتيب الطلبة وتحديد مساراتهم الجامعية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هل كان التوجيهي الأردني بحاجة إلى هذه التغييرات؟
بل السؤال الأكثر أهمية هو:
ماذا حدث حتى أصبح الطالب الأردني، في بعض حالات الالتحاق بالتعليم العالي خارج الأردن، مطالبًا بإجراءات أو اختبارات إضافية لإثبات مستواه؟
وهنا لا بد من التفريق بين أمرين: الاعتراف بالشهادة من حيث كونها شهادة ثانوية رسمية، وبين شروط القبول الجامعي التي قد تضعها الدولة أو الجامعة أو الجهة المختصة للطلبة القادمين من أنظمة تعليمية أخرى.
من (التوجيهي) إلى (إثبات الكفاءة)
المشكلة الحقيقية ليست في أن تخضع شهادة الدراسة الثانوية الأردنية العامة لإجراءات معادلة أو تحقق؛ فهذا أمر معمول به عالميًا، وإنما تكمن الإشكالية عندما يشعر الطالب بأن الشهادة التي حصل عليها بعد سنوات من الدراسة والامتحانات المركزية لا تكفي وحدها لإثبات أهليته الأكاديمية، فيُطلب منه أداء امتحان إضافي لتحديد المستوى أو المفاضلة أو استكمال متطلبات القبول.
وتزداد حساسية الموضوع عندما يكون الطالب قد حصل على شهادة الثانوية العامة الأردنية من مؤسسة تعليمية رسمية، ثم يجد نفسه أمام متطلبات إضافية في دولة عربية شقيقة.
وهنا يبرز السؤال المشروع:
إذا كانت شهادة الثانوية العامة الأردنية شهادة رسمية صادرة عن وزارة التربية والتعليم، فما طبيعة الاختبار الإضافي؟
وهل هو امتحان معادلة؟ أم امتحان تحديد مستوى؟ أم اختبار قبول جامعي؟ أم إجراء تنظيمي خاص بالطلبة القادمين من أنظمة تعليمية مختلفة؟
هذا التفريق مهم جدًا؛ لأن وصف الأمر بأنه (عدم اعتراف) قد لا يكون دقيقًا في جميع الحالات.
التوجيهي الأردني... هل فقد مكانته؟
من المؤلم تربويًا أن نصل إلى مرحلة يشعر فيها المجتمع بأن قيمة الشهادة التي كان يفاخر بها أصبحت موضع تساؤل خارج الحدود، فالقضية لا تتعلق بالطالب وحده، وإنما بصورة النظام التعليمي الأردني كله، فالشهادة الثانوية ليست ورقة تحمل معدلًا فقط؛ إنها انعكاس للمناهج ونظام التقويم ومستوى المدارس ونزاهة الامتحانات وآليات التصحيح ومعايير النجاح، ومستوى المخرجات التعليمية، ومن هنا، فإن أي تغيير في نظام التوجيهي يجب ألا ينظر إليه باعتباره مجرد تغيير في شكل الامتحان أو عدد المواد أو توزيع العلامات، فقد أوجد النظام التعليمي نظام الحقول الذي ينظر إليه من جهات متعددة أنه غير مدروس حيث واجه الطلبة واقع القبول في الجامعات الأردنية وقدرة الكليات الاستيعابية مقارنة بالتخصصات المحددة لكل حقل، فظهرت الضرورة الملحة لإعادة بناء للثقة في شهادة الثانوية الأردنية.
الاعتراف لا يُطلب بالكلام... بل يُبنى بالجودة، إذا أردنا أن تبقى شهادة الثانوية الأردنية ذات حضور قوي عربيًا ودوليًا، فإن الطريق لا يكون فقط من خلال المطالبة باعتراف الدول الأخرى بها، وإنما من خلال بناء نظام ثانوي يتمتع بمعايير واضحة وقابلة للمقارنة الدولية،
وهذا يتطلب: مناهج حديثة قابلة للمقارنة مع الأنظمة التعليمية المتقدمة، بالإضافة إلى تقويمًا يقيس الفهم والتحليل والتطبيق، وليس الحفظ فقط، مستندة إلى معايير واضحة وثابتة للنجاح والقبول الجامعي، كلها تحت مظلة شفافية كاملة في إجراءات الامتحانات والتصحيح، متوازية مع دراسة دورية لموقع الشهادة الأردنية في أنظمة التعليم العربية والدولية، واتفاقيات واضحة للاعتراف المتبادل بالشهادات، للمحافظة على هيبة الشهادة، دون تحويل الامتحان إلى مصدر دائم للقلق والضغط النفسي.
مصر والأردن... علاقة تعليمية أعمق من مجرد معادلة شهادة
العلاقة التعليمية بين الأردن ومصر تاريخية وعميقة، والجامعات المصرية استقبلت أعدادًا كبيرة من الطلبة الأردنيين على مدى عقود، كما أن الأردن يستقبل طلبة من مصر ودول عربية أخرى، ولهذا فإن أي متطلبات إضافية تواجه الطالب الأردني في مصر تستحق أن تُناقش بهدوء وموضوعية، لا من باب الاعتراض على دولة شقيقة، وإنما من باب حماية قيمة الشهادة الأردنية ومراجعة آليات الاعتراف المتبادل بالمؤهلات التعليمية العربية، فإذا كان المطلوب امتحان مستوى، فمن حق الطالب أن يعرف بوضوح: ما الهدف منه؟ وما الجهة التي تشترطه؟ وهل يطبق على جميع الشهادات الأجنبية؟ وهل يؤثر في القبول أم هو مجرد إجراء لتحديد المستوى؟ فالوضوح هنا يحمي الطالب، ويحمي الجامعة، ويحمي سمعة الشهادة في الوقت نفسه.
السؤال الأكبر
ربما آن الأوان لأن نعيد طرح سؤال جوهري:
هل نريد شهادة ثانوية أردنية هدفها أن يحصل الطالب على معدل مرتفع فقط، أم نريد شهادة يستطيع حاملها أن يدخل بها أي جامعة عربية وهو يحمل معها ثقة حقيقية بمستواه العلمي؟
الهدف من الإصلاح التعليمي ليس تخفيف الامتحان ولا تشديده لمجرد التشديد، وليس تغيير اسمه أو تقسيمه إلى مراحل؛ وإنما بناء شهادة موثوقة، عادلة ذات معيار أكاديمي واضح وقابلة للاعتراف والمقارنة خارج حدود الوطن، لقد كان (التوجيهي) الأردني لسنوات طويلة اسمًا له وزنه في المنطقة، والمطلوب اليوم ليس أن نبكي على توجيهي الأمس، ولا أن نرفض تطويره، وإنما أن نسأل بصراحة:
هل التطوير الذي نطبقه اليوم يعزز قيمة الشهادة الأردنية ويجعلها أكثر قابلية للاعتراف الدولي، أم يجعل الطالب بحاجة إلى إثبات نفسه مرة أخرى عندما يعبر الحدود؟
هذه ليست قضية امتحان فقط...
إنها قضية ثقة في التعليم الأردني، وثقة في الطالب الأردني، وثقة في الشهادة التي يحملها.
د. ماهر القيسي.
























