سعد الدين البستنجي يكتب: حين تنتقل سلطة التوجيهي من الوزارة إلى المدرسة: من يضمن عدالة العلامة؟
نبأ الأردن -
إذا كان التغيير المقترح لمنظومة الثانوية العامة يهدف إلى تخفيف وطأة امتحان «التوجيهي» عن كاهل الطلبة، وإعطاء المدرسة دورًا أكبر في تقييم الطالب، فلا بد أن يرافق هذا التوجه سؤال جوهري لا يجوز تأجيله:
من سيضمن أن تكون العلامة التي تمنحها المدرسة عادلة وموحدة وقابلة للمقارنة بين جميع الطلبة؟
هذه ليست مسألة فنية بسيطة، وإنما قضية تتعلق بمستقبل آلاف الطلبة، وبمبدأ تكافؤ الفرص، وبحق كل طالب في أن تكون نتيجته التعليمية انعكاسًا حقيقيًا لمستواه وجهده، لا لاسم مدرسته أو قدرته المالية أو نفوذ أسرته.
فالانتقال من «التوجيهي» بوصفه امتحانًا عامًا إلى امتحان قبول جامعي، مع اعتبار نجاح الطالب في المرحلة الثانوية نجاحًا في الثانوية العامة، يعني عمليًا نقل جزء كبير من المسؤولية عن مستقبل الطالب من الامتحان الوزاري إلى المدرسة.
وهنا تبدأ الأسئلة الصعبة.
المدارس الخاصة.. هل ستكون العلامة متساوية؟
لا يمكن تجاهل حقيقة أن المدارس الخاصة تختلف في سياساتها التعليمية والتقييمية، كما تختلف في إمكاناتها ورسومها وضغوط أولياء الأمور عليها.
فإذا أصبحت العلامة المدرسية جزءًا من مسار الطالب نحو الجامعة، فهل ستكون علامة الـ90 في مدرسة خاصة مساوية تمامًا لعلامة الـ90 في مدرسة حكومية؟
ومن يضمن ذلك؟
هل ستضع الوزارة آلية لمعادلة أو معايرة العلامات بين المدارس؟ وهل ستخضع المدارس التي تمنح نسبًا استثنائية من المعدلات المرتفعة للتدقيق؟
السؤال هنا ليس اتهامًا للمدارس الخاصة، وإنما مطالبة بإجراءات تمنع أي تفاوت في معايير التقييم من التحول إلى تفاوت في فرص القبول الجامعي.
وماذا عن الواسطة والمحسوبية؟
هذه المسألة أكثر حساسية، لأنها تتعلق بالثقة بالنظام كله.
إذا أصبح نجاح الطالب في المدرسة هو أساس حصوله على شهادة الثانوية، فكيف ستضمن الوزارة أن تكون عملية النجاح والرسوب محكومة بمعايير واضحة لا تتأثر بالضغوط أو العلاقات أو الواسطة؟
ماذا لو تعرض معلم لضغط من إدارة المدرسة لرفع علامة طالب؟
وماذا لو مارس ولي أمر ضغطًا على المدرسة؟
ومن يراجع قرار الرسوب؟
ومن يستطيع تعديل العلامة؟
وهل يكون المدير هو المرجع النهائي، أم توجد لجنة مستقلة؟
إن وجود هذه الأسئلة لا يعني التشكيك بالمعلمين أو الإدارات المدرسية، بل يعني أن النظام العادل يجب أن يكون مصممًا بحيث يمنع الخطأ والتدخل قبل وقوعهما.
أخطر ما يمكن أن يحدث: «تضخم العلامات»
إذا لم تضع الوزارة نظامًا صارمًا للرقابة، فقد ننتقل من مشكلة «صعوبة التوجيهي» إلى مشكلة أخرى هي تضخم العلامات المدرسية.
وقد يصبح نجاح المدرسة محسوبًا بعدد الطلبة الذين يحصلون على معدلات مرتفعة، وقد تتنافس بعض المدارس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على تقديم معدلات أفضل.
وعندها يصبح من الممكن أن يحصل طالبان بالمستوى نفسه على علامتين مختلفتين فقط لأنهما درسا في مدرستين مختلفتين.
وهنا يفقد المعدل المدرسي جزءًا من قيمته الوطنية.
كيف يمكن للوزارة أن تسيطر؟
لا يكفي أن تقول الوزارة إن المدرسة مسؤولة عن تقييم الطالب.
بل يجب أن تكون هناك منظومة وطنية متكاملة للرقابة، من أبرز عناصرها:
اختبارات معيارية وطنية تقيس مستوى الطلبة بعيدًا عن العلامة المدرسية.
تحليل إلكتروني لنتائج المدارس للكشف عن أي فروقات غير طبيعية.
تدقيق دوري وعشوائي في عينات من أعمال الطلبة وامتحاناتهم.
نظام اعتراض واضح يسمح للطالب وولي أمره بمراجعة قرار النجاح أو الرسوب.
لجان مستقلة للتدقيق لا تخضع للمدرسة التي أصدرت العلامة.
معايير موحدة للتقييم في المواد الأساسية.
وبذلك تصبح العلامة المدرسية جزءًا من منظومة يمكن التحقق منها، لا رقمًا تمنحه المدرسة وينتهي الأمر.
ماذا عن الطالب الذي يريد الدراسة خارج الأردن؟
ثم تأتي قضية لا يجوز أن تبقى معلقة:
ماذا سيحدث للطالب الذي يريد الالتحاق بجامعة خارج الأردن؟
إذا أصبحت شهادة الثانوية مبنية على النجاح المدرسي، وأصبح الامتحان الوزاري امتحان قبول جامعي، فما الذي ستعترف به الجامعات الأجنبية؟
هل ستكتفي بالشهادة المدرسية؟
هل ستطلب امتحانًا معياريًا؟
هل سيحتاج الطالب إلى امتحان قبول إضافي؟
وماذا عن الجامعات العربية التي تضع شروطًا محددة للقبول؟
هذه الأسئلة يجب أن تُحسم قبل تطبيق النظام، لأن الطالب الأردني لا يعيش داخل حدود نظام تعليمي مغلق، وإنما يتنافس على مقاعد جامعية في الأردن وخارجه.
لا نريد «توجيهيًا» داخل كل مدرسة
إذا كان الهدف من الإصلاح هو التخلص من الضغط النفسي والاعتماد على امتحان واحد، فهذا هدف نبيل.
لكن الخطر أن يتحول النظام الجديد إلى توجيهي مصغر داخل كل مدرسة؛ امتحانات داخلية، علامات مدرسية، تفاوت في التصحيح، وضغوط من الطلبة وأولياء الأمور، ثم تصبح النتيجة النهائية مرتبطة بقدرة كل مدرسة على إدارة هذا الملف.
عندها لن نكون قد حللنا المشكلة، بل نقلناها من مكان إلى آخر.
الإصلاح الحقيقي ليس بإلغاء الامتحان وإنما بإلغاء عدم العدالة
نحن بحاجة إلى إصلاح التوجيهي، نعم.
ونحن بحاجة إلى تطوير أساليب التقييم، نعم.
ونحن بحاجة إلى تخفيف الضغط النفسي عن الطلبة، نعم.
لكن قبل كل ذلك، نحتاج إلى الإجابة عن سؤال واحد:
هل يستطيع النظام الجديد أن يضمن أن يكون الطالب المتفوق في مدرسة حكومية في الأطراف قادرًا على المنافسة على المقعد الجامعي نفسه الذي ينافس عليه طالب في مدرسة خاصة داخل العاصمة؟
إذا كانت الإجابة نعم، فليكن الإصلاح.
أما إذا كانت الإجابة تحتاج إلى مزيد من الدراسة، فالأفضل أن نتريث قبل أن نجعل تجربة غير مكتملة تتحكم في مستقبل جيل كامل.
إن مستقبل الطلبة ليس حقلًا للتجربة، وأي تغيير في الثانوية العامة يجب أن يسبقه حوار وطني حقيقي، وتشريعات واضحة، ومعايير معلنة، ونظام رقابة صارم.
فالمطلوب ليس أن نستبدل «توجيهي الوزارة» بـ«توجيهي المدرسة».
المطلوب أن نبني نظامًا وطنيًا عادلًا للتقييم، لا يستطيع المال ولا الواسطة ولا اسم المدرسة أن يغير نتيجته

























