اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

عبدالله بني عيسى يكتب : في ذكرى 11 سبتمبر

عبدالله بني عيسى يكتب : في ذكرى 11 سبتمبر
نبأ الأردن -
كنت في منطقة صناعية بالشارقة أصلح سيارتي. وكانت الساعة تشير إلى الخامسة إلا ربعاً عصراً، حين هاتفني صديق، وكان يتحدث وهو يطير من الفرح.
هو:
"ضربوا برجي مركز التجارة العالمي بالطائرات ."
أنا: شو متى؟
هو: "قبل شوي، قبل دقائق. والـCNN بتنقل مباشرة، والجزيرة كمان.. الدنيا مقلوبة.."
أنا: مين اللي ضربهم؟
هو: "بقولوا منظمة فلسطينية. يسعد ربهم، أمريكا انمسح بكرامتها الأرض."
بقيت صامتاً قليلاً، ثم قلت: "يا رب ما يكونوا اللي عملوها فلسطينيين أو عرب."
استغرب صاحبي من ردة فعلي، وأنهى المكالمة لمتابعة الحدث عبر الشاشات.
ثم كان ما كان.
أصابتني تلك الجريمة النكراء بالغثيان. وتمنيت كثيراً لو أن العرب لا يد لهم بالأمر. لكن، للأسف، مع ساعات الليل المتأخرة بدأت الأسماء العربية تظهر. كان أولهم محمد عطا، ثم توالت الأسماء والأحداث: حقائب مطارات، تدريبات، رحلات سفر، خلفيات جنسيات..
لم تكن صدمتي فقط لأن الذين ارتكبوا الجريمة كانوا عرباً أو مسلمين. كانت الصدمة الموازية أنني وجدت حولي، وفي الإعلام وفي الشارع العربي، من يرى في الجريمة الإرهابية انتصاراً، وفي سقوط البرجين بداية لانهيار أمريكا.
كان ثمة شعور واسع بأن ما يحدث هو انتقام مشروع من عالم تكالب علينا نحن العرب عقوداً، بل قروناً. وكانت الغوغائية والقتل العشوائي والعنف تجد دائماً من يبررها، ما دامت موجهة إلى "الآخر".
أما أمريكا، فلم يكن ممكناً بالنسبة لي اختزالها في إدارة جمهورية متشددة، أو في مجموعة من الليبراليين المتوحشين، أو في سياسة خارجية يمكن الاختلاف معها والعداء لبعض خياراتها.
أمريكا بلد يمكن اعتباره عالماً بذاته: اقتصاداً وتقدماً علمياً وتقنياً وقوة عسكرية ومؤسسات ومجتمعاً متنوعاً غنياً. لذلك فإن تمني انهيارها، باعتباره خلاصاً للكون من الشر، لم يكن في نظري سوى قراءة شديدة السطحية لعالم بالغ التعقيد.
لنعترف.. ثمة مشكلة عميقة في قراءة السياسة!
صحيح أن لغة المصالح والبراغماتية تطغى على علاقات الدول، وصحيح أن السياسة تُعرّف أحياناً بأنها فن الممكن، لكن الشعوب ليست ملزمة بتلك التصنيفات، ولا ينبغي لها أن تتخلى عن المعايير الإنسانية والأخلاقية في قراءة ما يجري.
بل إن حسابات المصالح نفسها ليست دائماً عقلانية كما نتخيل، ولا تحقق بالضرورة مصالح الدول والشعوب على المدى البعيد.
كنت، وربما ما زلت، أملك "ثيرموميتر" مختلف عن السائد. ولا أدعي امتلاك الحقيقة المطلقة، لكنني أمتلك قدرة فطرية على قراءة مآلات بعض الأحداث، بعيداً عن الرغبة في أن تكون النتائج كما نحبها.
ومرت السنوات. وجاءت هجمة السابع من أكتوبر ضد إسرائيل. قلت لمن حولي في الدقائق الأولى: "انتظروا الكارثة التي ستحل على الفلسطينيين والمنطقة."
وكان ما حصل.
لا أروي هذه الحكاية لأقدم لائحة براءة لنفسي، ولا لأقول إنني كنت أكثر ذكاءً من الآخرين. المسألة أبسط من ذلك. هي، بالنسبة لي، إثبات حالة لرأي لم يكن سائداً كثيراً، وما زال حتى الآن ليس رأياً شعبياً مريحاً.
المشكلة أن أصحاب هذا النوع من التفكير غالباً ما يجدون أنفسهم غرباء وسط الجموع؛ لأن الجماعة تحب الانتصار المعجز والسريع أكثر مما تحب الحقيقة التي تمشي على مهل، وتحب أن تسمع ما يوافق غضبها أكثر مما تحب أن تعرف إلى أين يمكن أن يقودها غضبها.
بين الحدثين وقبلهما وبعدهما كان ثمة الكثير من الدروس الفائتة والضائعة.. لماذا كان العرب، وما زالوا، من أكثر الشعوب التي دفعت أثماناً باهظة في التاريخ بسبب قراراتها السياسية والعسكرية والاجتماعية؟
ليس العيب في أن نهزم. فكل الأمم تهزم.. اليابان هُزمت، وألمانيا هُزمت، وكوريا الجنوبية حولت النكبة إلى نهضة صناعية ورواندا عاشت واحدة من أبشع الكوارث في تاريخها الحديث، وقس على ذلك ما جرى في سنغافورة وفيتنام والصين.. الخ. ليست المسألة أن الأمم لا تُهزم. كل الأمم تُهزم. الفارق أن بعضها يحوّل الهزيمة إلى معرفة، فيما بعضها الآخر يحوّلها إلى مظلومية مزمنة.
علمني تاريخ العرب الحديث أننا بارعون في الاحتفال بالضربة الأولى، وأقل براعة بكثير في حساب الضربة التالية وردات الفعل..
ربما لهذا كنت أشعر بالغربة يوم 11 سبتمبر. وربما لهذا شعرت بالغربة مرة أخرى يوم 7 أكتوبر. ثم ما بينهما وما قبلهما وما بعدهما، ولست سعيداً بهذه الغربة وهي تظهر الفرق بين أمة تتلقى الهزيمة فتبحث عن طريق للنهوض، وأخرى تتلقى الهزيمة فتبحث فقط عن تفسير يريحها من عناء البحث عن الأسباب بالعقل والعلم.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions