م صلاح طه عبيدات يكتب : على أعتاب الذاكرة البريئة
نبأ الأردن -
تِلْكَ الأَيَّامُ المَطْمُورَةُ تَحْتَ غُبَارِ الرَّكْضِ بَيْنَ الجُدْرَانِ وَالأَسْئِلَةِ، لَمْ تَكُنْ صُدْفَةً يَا سَيِّدَةَ الرَّوحِ، بَلْ كَانَتْ مِيلاَدًا ثَانِيًا لِزَمَنٍ آخَرَ.
أَرْجِعِينِي… فَإِنِّي هُنَا أَقِفُ عَلَى ظِلِّي المَثْقُوبِ بِالحَنِينِ، وَالمَدِينَةُ مَلِيئَةٌ بِالأَصْوَاتِ وَلَكِنَّهَا خَالِيَةٌ مِنَ الصَّدَى. أُفَتِّشُ عَنْ ذَاتِي المَفْقُودَةِ بَيْنَ أَوْرَاقٍ غَارِقَةٍ فِي سُهَادِ الدَّفَاتِرِ، وَأَدْرَاجٍ تَهَالَكَتْ رُفُوفُهَا وَتَآكَلَتْ جُدْرَانُهَا، تَتَقَاذَفُهَا أَمْوَاجُ الشَّوْقِ لِتُلْقِيَ بِهَا عَلَى شَوَاطِئِ حَاضِرٍ غَرِيبٍ، مُزَيَّفِ المَلاَمِحِ، بَارِدِ الشُّعُورِ.
أَرْجِعِينِي إِلَى دِفْءِ الذِّكْرَيَاتِ، يَوْمَ كَانَتِ السَّاعَاتُ لاَ تُقَاسُ بِدَقَائِقِ السَّاعَةِ، بَلْ بِكَمِّ الضَّحَكَاتِ التِي نَسْرِقُهَا مِنْ فَمِ القَلَقِ. أَرْجِعِينِي إِلَى عَفْوِيَّةِ اللِّقَاءِ، إِذْ نَلْتَقِي دُونَ مَوْعِدٍ كَمَا يَلْتَقِي المَطَرُ بِالأَرْضِ العَطْشَى، نَتَبَادَلُ الكَلِمَاتِ المَغْسُولَةَ بِالنَّقَاءِ، وَنَمْشِي لاَ نَبْحَثُ عَنْ أَيِّ هَدَفٍ كَي لاَ يَنْتَهِي الطَّرِيقُ.
وَإِذَا بِي أُبْصِرُكِ هُنَاكَ… وَأَجِدُنِي ذَلِكَ الفَتَى البَرِيءَ الَّذِي كَانَ يَحْمِلُ بَيْنَ يَدَيْهِ رُزْمَةَ كُتُبٍ، وَحُفْنَةَ أَحْلاَمٍ، وَأَشْوَاقًا تَمْتَلِئُ بِهَا الصُّدُورُ. ذَلِكَ الصَّبِيَّ الَّذِي كَانَ يَسْكُنُ حَدَقَاتِ الصَّبَايَا، وَيَسْتَعْمِرُ بِطَفُولَتِهِ الشَّقِيَّةِ فُضُولَ الجَمِيلاَتِ، كَأَنَّهُ التِّلْمِيذُ الأَبَدِيُّ فِي مِحْرَابِ حُسْنِكِ الآسِرِ، يَدْرُسُ بَرِيقَ عَيْنَيْكِ وَيَسْتَكْشِفُ خَبَايَا جَمَالِكِ.
يَا سَيِّدَةَ البَرَاءَةِ التِي لَمْ تُدَنِّسْهَا الخَيْبَاتُ، وَسَيِّدَةَ العِشْقِ الَّذِي لاَ يَعْرِفُ المَكْرَ…
تَذَكَّرِي المَمَرََّاتِ القَدِيمَةَ، وَالقَاعَاتِ المُكْتَظَّةَ بِالأَسْمَاءِ وَالأَحْلاَمِ. كَانَتِ الجَامِعَةُ صَخَبًا كَبِيرًا، وَزِحَامًا لاَ أَوْجُهَ لَهُ، لَكِنَّ المَشْهَدَ كُلَّهُ كَانَ أَنْتِ. لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ أَحَدٌ غَيْرُكِ. كُنْتِ أَنْتِ العُنْوَانَ فِي حَاشِيَةِ كُلِّ كِتَابٍ، وَالمَعْنَى الوَحِيدَ المَغْرُوسَ خَلْفَ كُلِّ ضَبَابٍ. كُنْتُ أَرَى النَّاسَ كَأَطْلاَلٍ يَمُرُّونَ، وَأَرَاكِ أَنْتِ المَدِينَةَ بِأَكْمَلِهَا.
وَبَيْنَ "أَنْ أَكُونَ" أَوْ "لاَ أَكُونَ"، كُنْتُ أَتَأَرْجَحُ عَلَى حَافَةِ الخَوَاءِ؛ أَتَجَمَّلُ تَارَةً بِهَيْبَةٍ مُسْتَعَارَةٍ، وَأَكْذِبُ تَارَاتٍ لأَحْمِيَ هَشَاشَتِي. وَرَغْمَ أَنَّنِي كُنْتُ أُمَثِّلُ دَوْرَ "البُرْجُوَازِيِّ" المُمَيَّزِ، إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ زَيْفًا جَمِيلاً يَفْضَحُهُ مَصْرُوفُ جَيْبِي الَّذِي كَانَ يُنْذِرُ بِالنَّفَاذِ مَعَ آخِرِ ضَحْكَةٍ عَفْوِيَّةٍ.
اليَوْمَ، لاَ يَزَالُ صَوْتُكِ يَرْشَحُ مِنْ جُدْرَانِ الذَّاكِرَةِ، خَفِيفًا كَنَسِيمِ سَحَرٍ، عَمِيقًا كَجُرْحٍ يَرْفُضُ الاِلْتِهَامَ. لَقَدْ تَقَدَّمَ بِنَا زَمَنٌ لَمْ نَخْتَرُهُ، وَتَغَيَّرَتْ مَلاَمِحُ الأَشْيَاءِ، لَكِنَّ طَيْفَكِ يَقِفُ عِنْدَ تِلْكَ العَتَبَةِ الأُولَى… بَرِيئًا، نَقِيًّا، وَعَاشِقًا كَمَا كَانَ.
فَيَا سَيِّدَةَ الأَمْسِ وَالحَاضِرِ، هَبِينِي لَحْظَةً وَاحِدَةً مِنْ ذَلِكَ العُمْرِ، لِأَسْتَرِدَّ نَفَسِيَ المَفْقُودَ، وَأُعِيدَ تَرْتِيبَ الوُجُودِ كَمَا كَانَ: أَنْتِ… وَالمَشْهَدُ، وَلاَ أَحَدَ غَيْرُكِ.

























