العين عبد الحكيم محمود الهندي يكتب: الأردن أمام التحدي.. دفاعٌ يحمي وسيادةٌ لا تنحني
نبأ الأردن -
حين تصل التهديدات إلى أجواء وطن، لا تعود الكلمات كافية لوصف المشهد هناك، في المسافة الفاصلة بين الخطر وسلامة الناس، تظهر حقيقة الدولة وقدرتها على حماية حدودها ومجالها الجوي، ويصبح الأداء على الأرض هو اللغة الوحيدة التي لا تحتمل التأويل
في الأردن، جاءت ليلة جديدة تحمل اختباراً من نوع مختلف، بعدما تعرضت المملكة لهجوم بصواريخ بالستية أطلقت من الأراضي الإيرانية ووفق ما أعلنته القوات المسلحة الأردنية الجيش العربي، تعاملت منظومات الدفاع الجوي مع عشرين صاروخاً وتمكنت من تدمير ثمانية عشر منها، بينما سقط صاروخان في مناطق خالية من السكان، من دون وقوع إصابات
خلف هذه المشاهد التي قد تمر على المتابع سريعاً، تفاصيل كثيرة لا تظهر أمام الكاميرات. هناك غرف عمليات تتابع، وأجهزة ترصد، وقرارات تُتخذ خلال ثوانٍ، وأفراد يعرفون أن الخطأ في مهمتهم قد تكون كلفته حياة إنسان. ولهذا فإن ما جرى لا يختصره رقم، بل يعكس منظومة كاملة تعمل في اللحظة التي يحتاج فيها الوطن إلى أعلى درجات الجاهزية
الأردن لم يدخل يوماً سباقاً لاستعراض القوة ولم يجعل من التصعيد وسيلة لإثبات حضوره. اختار لنفسه طريقاً أكثر صعوبة: أن يبقى متزناً وسط منطقة مضطربة، وأن يحافظ على أمنه دون أن يتحول إلى طرف في كل صراع يدور حوله. لكن هذا النهج لا يعني أن أبواب المملكة مفتوحة أمام التهديدات، ولا أن مجالها الجوي يمكن التعامل معه باعتباره مساحة بلا صاحب
فالدولة التي تعرف قيمة الهدوء، تعرف أيضاً متى يكون الحزم ضرورة
وما حدث يبعث برسالة لا تحتاج إلى خطاب طويل: حماية المملكة ليست موقفاً مؤقتاً مرتبطاً بظرف سياسي، وإنما مسؤولية مستمرة تقوم بها مؤسسات الدولة وفق ما تقتضيه حماية البلاد وأمن المواطنين
لقد اعتاد الأردن أن يتعامل مع الأزمات بعقل بارد، لأن الانفعال لا يصنع أمناً، لكن الهدوء الأردني لم يكن في يوم من الأيام علامة على غياب القدرة. وعلى امتداد تاريخ المملكة، بقي الجيش العربي واحداً من أبرز عناوين حماية الدولة، وبقيت عقيدته مرتبطة بالواجب والدفاع عن الوطن
وفي مثل هذه الظروف، يصبح الحديث عن الجنود الذين يقفون خلف منظومات الدفاع حديثاً عن أشخاص يؤدون عملاً لا يراه معظم الناس. المواطن يرى سماءً عادية بعد انتهاء الخطر، بينما يعرف أولئك الذين كانوا في مواقعهم أن وراء تلك السماء ساعات طويلة من الاستعداد والمراقبة والانتباه
ثمانية عشر صاروخاً لم تبلغ غاياتها وهذه الحقيقة وحدها كافية لتوضيح جانب مهم من المشهد: أن المسافة بين إطلاق التهديد ووصوله إلى هدفه ليست مضمونة، وأن هناك منظومة دفاعية مهمتها أن تقطع هذه المسافة قبل أن يتحول الخطر إلى كارثة
لكن أمن الأردن لا تحميه التكنولوجيا العسكرية وحدها، فهناك أيضاً مجتمع يدرك أن الأزمات الكبرى تحتاج إلى تماسك، وأن الخلافات الداخلية، مهما كانت مشروعة، يجب ألا تتحول إلى ثغرة تستغلها الفوضى
من أقصى الشمال إلى الجنوب، ومن المدن والقرى والبادية والمخيمات، تبقى هناك مساحة مشتركة لا يختلف عليها الأردنيون: هذا البلد ليس ورقة في صراع الآخرين، وأمنه ليس مجالاً للمساومة
قد تختلف المواقف السياسية، وقد تتعدد القراءات لما يجري في المنطقة، لكن عندما يتعلق الأمر بسلامة الأردن، يصبح الانتماء للوطن هو العنوان الأوسع الذي يجمع الجميع
والأردن، بحكم موقعه يعرف جيداً معنى أن يعيش وسط منطقة تتقاطع فيها الحسابات العسكرية والسياسية، لذلك لم تكن حماية حدوده وأجوائه مسألة ثانوية، بل جزءاً من ضرورات بقائه آمناً ومستقراً
أما من يظن أن هدوء المملكة يعني سهولة الضغط عليها، فعليه أن يقرأ التجربة الأردنية بصورة مختلفة. هذا بلد لا يرفع راية المواجهة بحثاً عن بطولة، لكنه في الوقت نفسه لا يسمح بأن تتحول أراضيه إلى مساحة لتجارب الآخرين، أو أن يصبح مواطنوه ضحايا لصراعات لا علاقة لهم بها
وفي اللحظة التي حاولت فيها الصواريخ اختراق الأجواء الأردنية، كان هناك رجال في مواقعهم يعرفون ماذا يفعلون
لم يكن المشهد بحاجة إلى استعراض أو خطابات. كانت هناك مهمة واضحة، ونظام عمل، وقرار في الوقت المناسب، ونتيجة ظهرت في السماء قبل أن تصل التهديدات إلى أهدافها
ومن هنا، فإن التحية اليوم ليست للأرقام وحدها، وإنما لكل من يقف خلفها؛ لكل جندي وضابط وفني وعامل في منظومة الدفاع، ولكل فرد من القوات المسلحة الأردنية الجيش العربي، يضع أمن المملكة قبل راحته، ويؤدي واجبه بعيداً عن الأضواء
الأردن لا يحتاج إلى أن يثبت حجمه بالصوت، ولا إلى أن يدخل في منافسة مع أحد حول عدد الصواريخ التي يمتلكها. قيمة الدولة لا تُقاس بما تطلقه، وإنما بما تستطيع أن تمنعه، وبقدرتها على حماية شعبها مع الحفاظ على اتزانها
وفي زمن أصبحت فيه المنطقة مفتوحة على احتمالات كثيرة، يبقى الاستقرار الأردني مكسباً يجب حمايته، والسيادة خطاً لا ينبغي تجاوزه
لقد حاولت الصواريخ أن تجعل من سماء المملكة جزءاً من صراع أكبر، لكن المشهد انتهى بصورة مختلفة: تهديد في الطريق، ودفاع في مواجهته، ومواطنون عادوا إلى حياتهم دون أن تتحول السماء إلى مأساة
ليس المطلوب من الأردن أن يبحث عن الحرب، ولا أن يثبت نفسه عبر التصعيد. المطلوب فقط أن يبقى قادراً على حماية نفسه، وأن يعرف كل من يقترب من حدوده أن لهذا الوطن دولةً ومؤسساتٍ وجيشاً يعرف واجبه جيداً
الأردن وطن لا تُختبر قوته بحجم الضجيج من حوله، بل بقدرته على البقاء ثابتاً عندما تضطرب المنطقة
وحين تصبح السماء ساحة للخطر، يعرف النشامى كيف يجعلونها مرة أخرى سماءً آمنة فوق رؤوس الأردنيين
حفظ الله الأردن، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وأدامه قائداً للوطن، وحفظ جيشنا العربي وأجهزتنا الأمنية، وحمى نشامى القوات المسلحة الأردنية، ورحم شهداء الوطن، وأدام على المملكة أمنها واستقرارها وسيادتها، وأبقى الأردن عزيزاً آمناً شامخاً

























