اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

راكان السعايدة يكتب: الضفة مركز التصادم بين الأردن وإسرائيل

راكان السعايدة يكتب: الضفة مركز التصادم بين الأردن وإسرائيل
نبأ الأردن -
نبدأ بسؤال كاشفٍ للحقيقة، لا منشئٍ لها، إذا كانت "إسرائيل" تنظر إلى استقرار الأردن من منظور أمني، فهل أفعالها في الضفة الغربية والقدس المحتلتين تصب في هذا الاتجاه؟

الإجابة التقليدية "الإسرائيلية" ستقول: نعم. وتضيف أن تصريحاً رسمياً واحداً لم يشر، من قريب أو بعيد، إلى أنها غير معنية باستقرار الأردن، أمنياً وسياسياً.

إن سلّمنا نظرياً بهكذا إجابة، فهل الواقع الميداني الفعلي يدعم ذلك الجواب التقليدي النظري أم يتصادم معه؟

الجواب: أن الحقائق السياسية، وما تظهره الوقائع الميدانية، تؤكد أن "إسرائيل" لا يعنيها استقرار الأردن، إلا بقدر ما يخدم مشروعها التوسعي في الضفة الغربية والقدس.

أي أن الأردن يقع في مركز التفكير "الإسرائيلي"، في جملتين لطالما ترددتا: "الوطن البديل"، و"الخيار الأردني"، وهما، وإن اختلفتا في الصياغة، إلا أن لهما معنى واحداً: تصفية القضية الفلسطينية؛ ضماً وتهجيراً، وعلى حساب الأردن.

كيف تفعل "إسرائيل" ذلك؟ أو، للدقة، ما الذي يقوله الواقع السياسي والميداني؟

أولاً: منذ ثلاث سنوات، واليمين "الإسرائيلي" الحاكم يعلن، جهاراً نهاراً، أنه لا دولة فلسطينية، ولا بأي حال، وقبل هذه السنوات كان الموقف من هذا الأمر غامضاً وملتبساً وموارباً.

أما اليوم، فإن رفض إقامة الدولة الفلسطينية لم يعد مقصوراً على اليمين المتطرف، بل إن أغلب الأطراف، شعبياً وحزبياً، تتبناه علناً.

ويكفي نظرة إلى مواقف القوائم اليهودية المترشحة لانتخابات الكنيست للتأكد من مقدار رفضها إقامة الدولة الفلسطينية، وعدم اهتمامها بأي التزامات مترتبة على اتفاقية أوسلو التي حددت حسم قضايا الحل النهائي بما يفضي بإقامة الدولة بعد خمس سنوات من توقيعها.

ثانياً: بعد طي إمكانية إقامة الدولة الفلسطينية، انتقل المستويان، الرسمي والشعبي، إلى تصعيد مشروع الضم والتهجير بخطوات عملية متدرجة، لكن الذي لم يحسم بعد هو شكل الضم ومستواه، وطبيعة التهجير، طوعاً أم قسراً؟

بلغة أوضح، لا يُعرف إن كان قرار "إسرائيل" سيكون بضمِّ كامل الضفة الغربية أم أجزاء منها، وما إذا كان التهجير كاملاً أم جزئياً.
أياً كان ما يمكن أن تستقر عليه "إسرائيل"، وهو ما سنتناوله هنا لاحقاً، فإنها تُسارع في تمهيد الأرضية، وتخلق واقعاً تراكمياً؛ خطوة تلو أخرى:
1. منذ حرب غزة، تصاعد التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية على نحو غير مسبوق؛ إذ تم إنشاء أو إضفاء الصفة القانونية على 102 مستوطنة جديدة حتى عام 2026، بينما أقيمت 184 بؤرة استيطانية غير مرخّصة خلال 2023–2025، وبذلك يصل إجمالي البؤر الاستيطانية القائمة إلى نحو 410 بؤر، بينها نحو 340 بؤرة غير مرخصة، وتتركز في مناطق (ج) و(ب)، ورصد بؤرة جديدة في المنطقة (أ)، فضلاً عن دفع مخططات لبناء نحو 50 ألف وحدة سكنية استيطانية خلال الفترة نفسها.

2. في السنوات الثلاث الأخيرة توسع الاستيلاء على الأرض بشكل كبير، إذ تسيطر البؤر الاستيطانية على نحو مليون دونم، فيما استولى المستوطنون عبر البؤر الرعوية وحدها على 786 ألف دونم.. وأيضاً أعلن عن 28,641 دونماً بوصفها "أراضي دولة"، بينها نحو 20 ألف دونم في الأغوار، المحاذية للأردن.

3. أطلقت العنان للمستوطنين لممارسة كل أشكال الاقتحامات والعنف ضد قرى وتجمعات المواطنين الفلسطينيين، بغطاء سياسي، وبحماية وتأمين من جيش الاحتلال، وهو ما أدى إلى تهجير العديد من التجمعات السكانية لفلسطينيين.

4. تقطيع أوصال الضفة الغربية، وعزل مدنها وقراها عن بعضها بعضاً بما يقارب 925 حاجزاً وعائقاً، من مختلف الأنواع، ما جعل التنقل أكثر مشقة وصعوبة.

5. هدم مئات، إن لم يكن آلاف المنازل، بذرائع مختلفة؛ مرة بذريعة عدم الترخيص، وأخرى بالأسباب الأمنية، كما فعلت في مخيمات عين شمس وطولكرم وجنين، على سبيل المثال.

6. إخضاع الضفة الغربية للإدارة المدنية والسماح للشرطة الإسرائيلية، لأول مرة، بأن تمارس صلاحياتها فيها، وبخاصة في المستوطنات.

7. إضعاف السلطة الوطنية الفلسطينية، سياسياً وأمنياً ومالياً، وخنقها اقتصادياً وجعلها غير ذات صلة، بل لطالما دعا وزير المالية بتسلئيل سموتريش إلى حلها.

8. عزل القدس عن الضفة من خلال التوسع الاستيطاني من خلال البناء في المنطقة ( إي 1) لفصل شمال الضفة عن جنوبها، فضلاً عن تكثيف اقتحامات المسجد الأقصى، وإقامة طقوس دينية لم يسبق أن شهدتها باحاته، في إجراءات ممنهجة تستهدف نسف الواقع التاريخي للمقدسات وتغييره.

هذه الوقائع تصاعدت بتسارع في الآونة الأخيرة، بما يمكّن الكيان من إنفاذ أيٍّ من خياراته لحظة أن يقرر ذلك، التي لا يبدو أنها تغادر أحد أمرين:

أولاً: ضم الضفة الغربية، وإخضاعها للسيادة الإسرائيلية، مع ما يتطلبه ذلك من تهجير أغلبية المواطنين إلى الأردن، وعزل البقية القليلة الباقية من المواطنين في مدن محدودة ومحاصرة ومفصولة عن بعضها بعضاً.

في هذه المدن، لن يكون للفلسطينيين هناك أي نوع من الحقوق، لا مدنية ولا سياسية، أي سيتم إخضاعهم لنظام فصل عنصري.

وهدف هذا الفصل، بالإضافة إلى التهجير الواسع، أن تضمن "إسرائيل" مسألتين: عدم تغير البنية السياسية للكيان، وعدم التأثير على يهودية الدولة.

أما ثانياً، وهذا مرجح، فإن الصعوبات والتحديات التي قد تواجه الضم، داخلياً ودولياً، ربما تدفع إلى خيار الضم الجزئي عبر فرض السيادة الكاملة على المنطقة (ج) وبعض من المنطقة (ب).

وإذا ما أخذنا بالاعتبار أن مساحة الضفة الغربية تقارب 21% من مجمل مساحة فلسطين التاريخية، فإن ضم المنطقة (ج) يعني أن الضفة ستخسر 60% من تلك المساحة، وإذا ما أضفنا إليها نسبة من المنطقة (ب)، فإن مساحة الضفة قد تتقلص إلى ما يقارب 8% من مجمل مساحة فلسطين التاريخية.

وفي أيٍّ من الخيارين، فإن تهجير مئات آلاف الفلسطينيين باتجاه الأردن لن يكون طوعياً كما تدعي "إسرائيل"، بل قسرياً في الواقع، أكان بالقوة والإكراه، أو بالتضييق الشديد الذي يجعل الحياة هناك شبه مستحيلة.

هنا، وأمام كل هذه الوقائع: ألن يؤدي ما تقوم به "إسرائيل" وتفعله في الضفة والقدس إلى انعكاسات خطيرة على استقرار الأردن؟

إن إجابة هذا التساؤل لا تحتمل، بالضرورة، أي نوع من التهوين، ولا أي قدر من التبسيط، فهي تحتاج تقديرات دقيقة، لا أظنها أبداً غائبة عن تفكير المستوى الرسمي الأردني.

وهي أفعال، أحسبُ أن الأردن لا يمكن أن يقرأها بمعزل عن معنى الوجود العسكري "الإسرائيلي" في جنوب سوريا، ولا كذلك بمعزل عن إنشاء فرقة عسكرية جديدة (جلعاد) على الحدود مع الأردن.

ولا يتجاهل، أيضاً، دلالات ومعاني التحذير الدائم من مخاطر تزعم "إسرائيل" أنها قد تأتي من الشرق، أي من جهة الأردن، وقد تقف إيران أو جماعات عراقية أو حوثية خلفها، وفي المناورة العسكرية التي نفذت قبل يومين في ما تسميه (إيلات) أجرت محاكاة لإمكان حدوث اجتياح من جهة الأردن، كما من مصر والبحر الأحمر.

المعنى المقصود هنا أن "إسرائيل" تقرأ دفعة واحدة، لا بالقطعة؛ أي إن كل شيء تفعله وتقوله، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وأمنياً، لا يُقرأ إلا وحدة واحدة، إذا أردنا بناء تقييمات صحيحة لأفعالها، وبناء تقديرات دقيقة لنواياها وما ترمي إليه.

إذن، ما الحل؟ ما الذي يمكن أن يفعله الأردن؟
يمكن للأردن أن يقوم بجملة من الإجراءات والخطوات، ومن الآن، وبدون المراهنة على توقع أن تطيح الانتخابات الإسرائيلية باليمين المتطرف الحاكم، فالنتيجة غير مضمونة، ولا البديل مختلف، في ظل ميل مجتمعي تصاعدي نحو اليمين واليمين المتطرف.

وعلى أساس ذلك، يمكن، بتقديري، القيام بالتالي:

أولاً: تمتين الجبهة الداخلية وشدّ صفها، ووضع بدائل للتزود بالغاز والمياه، وتوقع مواجهة ممكنة مع "إسرائيل"، والتحسب لها بكل ما تحمل كلمة التحسب من معنى، وفي لحظة دقيقة حرجة يمكن التلويح بإلغاء اتفاقية وادي عربة، وفي أقله تجميدها.

ثانياً: بذل كل الممكن لتثبيت أبناء فلسطين في أرضهم، وتعزيز صمودهم ومجابهتهم لكل الإجراءات الإسرائيلية، والتدخل لبناء موقف فلسطيني بين كل المكونات والفصائل هناك، ولفت النظر إلى أن أطرافاً في الكيان تريد للضفة أن تشتعل لتبرير التدخل العنيف في مدنها وقراها في تصعيد لخطوات مشروعها التوسعي.

ثالثاً: التأكيد للإدارة الأميركية أن استراتيجيتها الجديدة للإقليم لا بد أن تقر بوضوح تام أن استقرار الأردن ومستقبل الضفة لا يُقرآن كملفين منفصلين؛ بل ملفاً واحداً، وأن تفهم تماماً أن إعادة هندسة الضفة ستكون لها تداعيات مباشرة على الأردن.

رابعاً: تعظيم وتعزيز موقف أوروبا المصرّ بشدة على إقامة الدولة الفلسطينية، بغض الطرف عن التباينات في شكل هذه الدولة، والرافض لكل الإجراءات الإسرائيلية في الضفة الغربية.

خامساً: الدعوة إلى قمة عربية وإسلامية طارئة تتخذ مواقف وخطوات جديدة وحقيقية لرفع الكلفة على "إسرائيل"، وحتى أميركا، إن لم تتوقف إجراءات ضم وتهجير أبناء فلسطين من أرضهم. والتوضيح الكامل للدول العربية، ودول الإقليم، أن هذه ليست نهاية المشروع التوسعي للكيان، وإنما ستجعله يمعن في التمدد أكثر على حساب هذه الدول وأمنها.

إن هذه الخطوات، وغيرها، إذا ما تم تنفيذها بعزم، وأعطيت القدر اللازم من الجدية، أردنياً وعربياً ودولياً، يمكنها أن تدفع "إسرائيل" خطوة أو خطوات إلى الوراء.

ومن دون ذلك، ستمضي في مشروعها بدون أي اعتبار لأثره على استقرار الأردن، خصوصاً وأنها تشعر بأن الفرصة التاريخية لتنفيذ مخططاتها التوسعية بإنشاء "إسرائيل الكبرى" والهيمنة اقتصادياً وعسكرياً على المنطقة العربية لن تتكرر.

في المحصلة النهائية، فإن إعادة هندسة الضفة هي نقطة التصادم الأساسية بين المصالح الأردنية والمشروع الإسرائيلي؛ فكل الخطوات الإسرائيلية المتدرجة والمنسقة لا تؤثر على استقرار الأردن وحسب، وإنما على المنطقة بأسرها.

ومن هنا، يجب ألّا تترك "إسرائيل" تُراكم خطوات إنفاذ مشروعها على حساب الأردن خطوة تلو خطوة، وعنصراً تلو الآخر، من دون ردع ولجم..


تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions