حلا محمد الخطيب تكتب: التكنولوجيا تركض.. فهل يستطيع القانون اللحاق بها؟
نبأ الأردن -
لم تعد الاستدامة مفهومًا بيئيًا محضًا، ولا يكفي اليوم اختزالها في الطاقة النظيفة وخفض الانبعاثات. نحن أمام مفهوم أكثر اتساعًا يمكن وصفه بـ«الاستدامة الذكية»، حيث يلتقي التحول الأخضر بالتحول الرقمي، وتلتقي التكنولوجيا بالاقتصاد، وتصبح البيانات والابتكار جزءًا من معادلة التنمية.
وتشير المؤشرات العالمية إلى أن تحقيق أهداف التنمية المستدامة لا يزال يواجه فجوة كبيرة، في وقت تتسارع فيه الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي بصورة تفوق قدرة كثير من الأطر التنظيمية والتشريعية على مواكبة تفاصيلها المتغيرة.
وهنا لا يصبح السؤال ما إذا كان القانون عائقًا أمام التكنولوجيا، بل كيف يمكن أن يكون جسرًا بين الابتكار وحماية الحقوق. فالتحدي ليس في إبطاء التكنولوجيا، وإنما في إيجاد تشريعات تستطيع التعامل مع سرعة تطورها دون أن تغلق الباب أمام الابتكار.
وفي هذا المشهد، لا يمكن تجاهل التحول الرقمي للإعلام.
فالإعلام لم يعد مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح جزءًا من الاقتصاد الرقمي ومنظومة تشكيل الوعي والسلوك العام. وهنا تظهر «الصحافة الخوارزمية»، أي استخدام الخوارزميات والذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات، واختيار الموضوعات، وتخصيص الأخبار والمحتوى وفق اهتمامات الجمهور.
وفي المقابل، يظهر مفهوم «اقتصاد الانتباه»، حيث أصبح انتباه المستخدم والوقت الذي يقضيه على المنصة قيمة اقتصادية تسعى المنصات والشركات إلى استثمارها. فكل مشاهدة أو تفاعل أو مشاركة يمكن أن تتحول إلى بيانات تساعد في فهم الجمهور وتوجيه المحتوى والإعلانات إليه.
ومع كل هذه التحولات، تبرز أسئلة جديدة حول الخصوصية، ودقة المعلومات، وملكية البيانات، وحدود استخدام الذكاء الاصطناعي. وهي أسئلة لم تعد تخص خبراء التكنولوجيا وحدهم، بل أصبحت تمس كل مستخدم للفضاء الرقمي.
ومن هنا يصبح قانون حماية البيانات الشخصية جزءًا من البنية التحتية للاقتصاد الرقمي، وليس عائقًا أمامه. فكلما توسع استخدام البيانات في الأعمال والإعلام والذكاء الاصطناعي، ازدادت الحاجة إلى الثقة والحوكمة والشفافية.
ربما لا تحتاج التكنولوجيا إلى قانون يلاحقها، بل إلى قانون يستشرفها؛ قانون يحمي الإنسان، ويمنح الأعمال مساحة للابتكار، ويجعل التحول الأخضر والرقمي مسارين متكاملين نحو مستقبل أكثر استدامة وثقة وابتكارًا.
فالتكنولوجيا ستظل تركض، والمهم ألا يبقى القانون يركض خلفها.

























