اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

د. وليد العريض يكتب: الجغرافيا التي لا تنام… وإن نعست طويلًا

د. وليد العريض يكتب: الجغرافيا التي لا تنام… وإن نعست طويلًا
نبأ الأردن -
الجغرافيا لا تموت وإن بدت أحيانًا غارقة في نوم يمتد عقودًا أو قرونًا، فهي قد تنعس تحت وطأة الحروب والتحالفات والحدود التي يرسمها المنتصرون ثم يتوهمون أنهم أحكموا إغلاق التاريخ داخلها، لكنها تظل في الأعماق تحفظ طرقها وبحارها وجبالها وممراتها إلى أن تأتي اللحظة التي تستيقظ فيها لتعيد طرح السؤال القديم: من يملك المكان ومن يستطيع البقاء فيه.
ولعل المعضلة الاستراتيجية التي تواجه الكيان الصهيوني اليوم أنه عاش طويلًا على الاعتقاد بأن الجغرافيا المحيطة به قد نامت نومًا لا صحوة بعده، وأن الانقسام العربي والإسلامي الذي منحه هامشًا واسعًا من الحركة والتفوق أصبح حقيقة تاريخية ثابتة، وأن القوة العسكرية والتكنولوجية والتحالف مع الولايات المتحدة تستطيع مجتمعة أن تجعل الاستثناء السياسي قاعدة أبدية لا يطالها التغيير.

ومن يقرأ تاريخ بلاد الشام يعرف أن هذه الرقعة لم تكن يومًا هامشًا في صراعات القوى الكبرى، بل كانت قلبًا تتجه إليه الجيوش والمصالح، فمن الأناضول شمالًا ومصر جنوبًا والعراق وفارس شرقًا والبحر المتوسط غربًا كانت القوى تتدافع نحوها لأنها بوابة بين القارات وممر بين البحار ومفتاح لطرق التجارة ولذلك ظلت فلسطين في قلب هذه الجغرافيا صغيرة حين تقاس بالكيلومترات وهائلة حين تقاس بالموقع والتاريخ والذاكرة.

وفي قلب هذا المكان قام الكيان الصهيوني ثم بنى جانبًا مهمًا من تفوقه على واقع إقليمي شديد الانقسام، فدخل العراق في حروب متلاحقة واضطربت سوريا وانكفأت مصر عن المواجهة العسكرية المباشرة وتنافست تركيا وإيران والقوى العربية على مناطق النفوذ، وفي خضم هذا التشظي بدا أحيانًا أن فلسطين انتقلت من مركز الصراع إلى ملف بين ملفات كثيرة وأن الجغرافيا نفسها قد دخلت في نعاس طويل.

وعندئذ اطمأن الكيان الصهيوني إلى أن تفوقه لم يعد مجرد لحظة عسكرية عابرة، بل أصبح نظامًا إقليميًا قابلًا للاستمرار، فهو يمتلك الجيش والتكنولوجيا والاستخبارات ويحظى بعلاقة استراتيجية وثيقة مع الولايات المتحدة بينما يعيش محيطه حالة من التنافس والانقسام وهكذا أصبحت قوة الكيان الصهيوني في جانب منها حاصل جمع قوته الذاتية وضعف الآخرين وعجزهم عن بناء رؤية إقليمية مشتركة.

لكن الجغرافيا التي نعست لم تمت، وبقيت مصر في الجنوب وتركيا في الشمال والعراق وإيران في الشرق والجزيرة العربية بثقلها الاقتصادي والسياسي والديني، وبقي البحر الأحمر والمتوسط والموانئ والممرات والطرق وبقيت فلسطين في القلب مهما تبدلت الحكومات والتحالفات والأهم أن ذاكرة الشعوب لم تختف لمجرد أن السياسات الرسمية تغيرت أو أن موازين القوى مالت طويلًا إلى جانب واحد.

ومن هنا يمكن قراءة القلق الذي يظهر في تحذيرات خبراء الكيان الصهيوني لا باعتبار كل التوقعات حقائق مؤكدة، بل بوصفها تعبيرًا عن خوف أعمق، فانتقال الخطاب في الكيان الصهيوني من الثقة بالتفوق إلى التحذير من الاستنزاف وتعدد الجبهات وضعف الجبهة الداخلية والاعتماد المفرط على الخارج يحمل دلالة سياسية واستراتيجية إذ يكشف عن شعور بأن البيئة التي منحت الكيان الصهيوني تفوقه لعقود قد لا تبقى على صورتها القديمة إلى الأبد.

واستيقاظ الجغرافيا لا يعني أن تجتمع تركيا وإيران ومصر والسعودية والعراق وباكستان غدًا في غرفة عمليات واحدة لتعلن حربًا على الكيان الصهيوني، فالدول تحكمها المصالح القومية والتنافسات المتشابكة ولا تكفي الشعارات لصناعة التحالفات الكبرى، لكن الخطر الذي يتصوره الكيان الصهيوني يبدأ عندما تتقاطع بعض المصالح وتتغير تعريفات التهديد وتكتشف القوى الإقليمية أن النظام القديم لم يعد قادرًا وحده على ضبط المنطقة.
فالجغرافيا تستيقظ حين تتغير طرق التجارة والطاقة، وحين تتحول الموانئ والممرات البحرية إلى ساحات نفوذ، وحين تجعل الصواريخ والطائرات المسيّرة والتكنولوجيا الحديثة المسافات أقل حماية مما كانت عليه وتستيقظ حين تعيد الدول حساب مواقعها وتحالفاتها ومصالحها وتبدأ القوى الصاعدة بمحاولة ملء الفراغات التي تتركها القوى المتراجعة وعندئذ لا تحتاج المنطقة إلى حلف عسكري موحد حتى يشعر الكيان الصهيوني بأن الأرض الاستراتيجية من حوله بدأت تتحرك.
وهنا تظهر المعضلة، لأن الكيان الصهيوني مهما بلغت قوته العسكرية والتكنولوجية يبقى محدود المساحة والسكان قياسًا بالمجال الجغرافي والبشري المحيط به، وقد يمنحه تفوقه القدرة على إدارة حروب قصيرة وتحقيق تفوق ميداني في ساحات محددة لكنه لا يلغي أسئلة الاستنزاف الطويل وتعدد الجبهات والضغط الاقتصادي والسياسي والاجتماعي فالحرب الممتدة لا تختبر السلاح وحده وإنما تختبر المجتمع والاقتصاد وقدرة الدولة على الاحتمال.

والأشد خطورة أن الجغرافيا التي تقلق الكيان الصهيوني ليست كلها خارج حدوده، لأن داخله نفسه يشهد انقسامات عميقة بين المتدين والعلماني واليمين واليسار واليهودي والعربي وبين رؤى متعارضة لهوية الدولة ومستقبلها، وحين تنتقل الخلافات من السياسة إلى الهوية يصبح تماسك المجتمع جزءًا من معادلة الأمن القومي فالصاروخ يستطيع تدمير هدف لكنه لا يستطيع ترميم مجتمع يتنازع على معنى الدولة التي يعيش فيها.

أما الولايات المتحدة التي شكلت الركيزة الخارجية الأهم لأمن الكيان الصهيوني، فإن علاقتها به مهما بلغت قوتها تظل في النهاية علاقة تحكمها المصالح الاستراتيجية التي يمكن أن تتغير مع تغير العالم، ولذلك فإن أي إعادة أميركية لترتيب الأولويات أو توزيع الأدوار في الشرق الأوسط ستفرض على الكيان الصهيوني مراجعة فرضية الاعتماد الدائم على مظلة خارجية فالقوى العظمى لا تمنح حلفاءها ضمانات أبدية وإنما تمنحهم ما تسمح به مصالحها.

وجاءت حرب غزة لتضيف بعدًا آخر لأنها لم تبق مواجهة عسكرية محصورة في الميدان، بل أعادت القضية الفلسطينية إلى مركز واسع من النقاش العالمي وأثارت انتقادات سياسية وقانونية وأخلاقية حادة للكيان الصهيوني، وأصبحت المعركة تمتد إلى الجامعات والمنظمات الدولية ووسائل الإعلام والرأي العام العالمي إلى جانب ميادين القتال وهنا يواجه الكيان الصهيوني مشكلة مختلفة لأن السلاح يمكن تعويضه أما الصورة السياسية والأخلاقية حين تتصدع فإن إعادة بنائها أكثر صعوبة.

ولا يعني ذلك أن الكيان الصهيوني يقف على حافة الزوال أو أن نهايته أصبحت مسألة سنوات يمكن تحديدها على التقويم، فالقراءة التاريخية الجادة لا تبني أحكامها على الأمنيات، والكيان الصهيوني ما يزال يمتلك قدرات عسكرية واقتصادية وتكنولوجية كبيرة وشبكة علاقات دولية واسعة لكن الخطأ المقابل هو الاعتقاد بأن القوة الحالية أبدية وأن البيئة الإقليمية التي صنعت هذا التفوق ستبقى ثابتة مهما تغير العالم.

فالتاريخ لم يمنح دولة عقدًا بالخلود، ولم يعرف إمبراطورية بقيت على قوتها إلى الأبد، ولم يحفظ تحالفًا من تبدل المصالح والدول تقوى عندما تتوافر شروط قوتها ثم تبدأ بالتراجع عندما تتغير البيئة التي صنعت تفوقها ولذلك فإن السؤال الأكثر جدية ليس متى يزول الكيان الصهيوني وإنما ما إذا كانت الشروط التاريخية والجغرافية والدولية التي منحته تفوقه الطويل قد بدأت بالفعل في التحول.

لقد نعست الجغرافيا العربية والإسلامية طويلًا تحت ثقل الانقسامات والحروب والصراعات الإقليمية حتى بدا أنها فقدت القدرة على صناعة التاريخ، لكنها بقيت في مكانها من مصر إلى الأناضول ومن العراق وإيران إلى الجزيرة العربية ومن البحر الأحمر إلى المتوسط، وبقيت فلسطين في القلب كأنها نقطة صغيرة على الخريطة لكنها عقدة هائلة في التاريخ.

وربما يكون أكبر خطأ يرتكبه الكيان الصهيوني أن يتصور أن ضعف الآخرين قانون من قوانين الطبيعة، وأن اللحظة التي منحته التفوق ستستمر بلا نهاية، فاللحظات مهما طالت تنتهي والإمبراطوريات مهما تعاظمت تتغير والتحالفات مهما بدت راسخة تتبدل عندما تتبدل المصالح والجغرافيا قد تسمح للسياسة بأن تعبث فوق سطحها طويلًا لكنها تحتفظ في أعماقها بمنطقها وذاكرتها.

لذلك فإن ما يجري حول الكيان الصهيوني قد لا يكون مؤامرة سرية ولا حلفًا عسكريًا ينتظر ساعة الصفر، بل شيئًا أكثر عمقًا وأبطأ حركة؛ إنه إقليم يعيد تشكيل موازينه وعالم يعيد توزيع قوته وأجيال تنظر إلى فلسطين والكيان الصهيوني بعيون مختلفة، وفي قلب ذلك يقف الكيان الصهيوني قويًا بالسلاح لكنه قلق من الزمن لأن السلاح يستطيع أن يكسب معركة لكنه لا يستطيع أن يوقف حركة التاريخ.

الجغرافيا لا تنام وإن نعست طويلًا، وقد تصمت حتى يظن العابرون فوقها أنها ماتت، ثم تستيقظ عندما تتغير شروط القوة ويعود التاريخ إلى طرق أبوابها وحين تستيقظ لا تسأل السياسيين عما كتبوه في بياناتهم ولا الجنرالات عما رسموه على خرائطهم بل تعيد طرح سؤالها الأبدي: من يملك المكان ومن يملك الزمن ومن يستطيع البقاء؟.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions