اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

بلال العقايلة يكتب : بين قوة الدولة وشرعيتها .. قراءة في تصريحات الوزير الحلالمة

بلال العقايلة يكتب : بين قوة الدولة وشرعيتها .. قراءة في تصريحات الوزير الحلالمة
نبأ الأردن -
من الإنصاف قبل إطلاق الأحكام على حديث وزير الداخلية الأسبق توفيق الحلالمة، أن نقرأ ما كتبه في سياقه الطبيعي لا كما قد يرغب البعض في تفسيره أو تحميله أكثر مما يحتمل.
فالرجل لم يقل إن الدولة سقطت ولم يدع إلى إسقاط النظام، ولم يحرّض على الفوضى وإنما أطلق تحذيرا واضحا من مسألة بالغة الأهمية وهي تآكل الثقة بين الدولة والمواطن وما يمكن أن يترتب على ذلك من آثار على استقرار الدولة ومتانة مؤسساتها.
وهذه الفكرة ليست جديدة ولا ترتبط بشخص الحلالمة وحده كما أنها لا ينبغي أن تصنف تلقائيا في خانة الخطاب السياسي المعارض.. فمنذ ابن خلدون و ماكس فيبر، وانتهاء بعلي الوردي فقد وردت تلك الطروحات بكل عمقها ومحاذيرها..
ولعل أكثر ما يستوقف في حديثه قوله: " فالقوم بالسر غير القوم بالعلن" وهي عبارة يمكن قراءتها في ضوء ما كتبه الوردي عن الازدواجية الاجتماعية وعن المسافة التي قد تنشأ بين ما يقوله الإنسان أمام الآخرين وما يضمره أو يعتقده في داخله لا سيما في اتساع المسافة بين الخطاب العام والشعور الحقيقي للمجتمع،
وما يضمره الناس من سخط واحتقان وعدم رضى إذ ان
الدولة الحديثة لا تستمد قوتها من مؤسساتها وأجهزتها ومشاريعها واستعراضاتها وحدها وإنما تستمد جانبا مهما من قوتها من شرعية مؤسساتها وثقة مواطنيها بها.
قد تستطيع الدولة أن تفرض القانون ولكن هل يشعر المواطن بأن القانون يُطبّق بعدالة على الجميع.
وربما تستطيع المؤسسات أن تتحدث باسم المواطن ولكن الخطورة في تبدد الشعور لدى المواطن بأن صوته مسموع وهنا تصبح القضية قضية ثقة وهو الأمر الذي يعزز المباعدة ما بين القمة والقاعدة.
و هنا ينطبق الحال على امتلاك الإعلام القدرة على نقل الرواية الرسمية ولكن هل يشعر الناس أن ما يسمعونه يتطابق مع ما يرونه ويعيشونه، أم أن الإعلام الرسمي ومعه الخاص يطرح رواياته على الناس باعتبارهم قوالب جاهزة لاستيعاب وتصديق ما يضخه من رسائل وإشارات يفترض بالمواطن الإيمان بها وتصديقها لكن الواقع قد يكون غير ذلك.
ومن هنا، فإن وضع الحلالمة مباشرة في خانة "المسيء للدولة" لمجرد أنه أثار هذه المسألة لا يبدو ردا كافيا على مضمون كلامه. فالاختلاف معه حق ونقد تشخيصه للواقع حق أيضا لكن الرد الأقوى على الأفكار يكون بمناقشة الأفكار نفسها وربما الاعتراف ببعض نا طرح لا بتفسير النوايا أو توزيع الاتهامات.
فإذا كان الحلالمة مخطئا في بعض ما ذهب إليه فحري بنا أن نناقش ذلك بالأرقام والوقائع والشواهد وإن كان في حديثه جانب من الحقيقة فإن مصلحة الدولة لا تكون في تجاهله وإنما في الاستفادة من النقد وتصحيح مكامن الخلل قبل أن تكبر الفجوة بين الدولة والمجتمع ويتسع الخرق على الراتق.
وهنا تكمن نقطة جوهرية تحمل تأكيدا على أن النقد ليس بالضرورة نقيضا للوطنية كما أن التأييد والتطبيل والتزمير ليس بالضرورة دليلا عليها.
الوطنية ليست أن نصفق دائما، كما أنها ليست أن نهاجم الدولة دائما.. الوطنية الأعمق هي أن نريد للدولة أن تكون أقوى وللقانون أن يكون أعدل وللمؤسسات أن تكون أكثر كفاءة ونزاهة وللإعلام أن يكون أكثر صدقا ومهنية وللمواطن أن يشعر بأن كرامته وحقوقه مصانة.
ومن يخاف على الدولة فعلا ينبغي ألا يخشى النقد المسؤول الذي يريد إصلاحها بل ينبغي أن يخشى اللحظة التي يصبح فيها المواطن مضطرا إلى قول شيء في العلن بينما يقول شيئا مختلفا تماما في السر.
وهنا تعود أهمية العبارة التي ختم بها الحلالمة حديثه "عندها تخسر معركة الثقة بين الدولة والمواطن".
هذه العبارة، بعيدا عن الاتفاق أو الاختلاف مع صاحبها، تستحق أن تكون موضع نقاش جاد لا سيما وأن الثقة ليست شعارا سياسيا وإنما رصيد يتراكم عبر عدالة القانون وصدق الخطاب وكفاءة المؤسسات، واحترام المواطن وقدرة الدولة على الاعتراف بالخطأ وتصحيحه.
فالدولة الواثقة من مؤسساتها لا تخشى السؤال ولا ترى في النقد المسؤول تهديدا لها ولكن تنظر إليه باعتباره إحدى وسائل اكتشاف الخلل وتصحيح المسار.
وفي النهاية، قد نختلف مع الوزير الحلالمة في بعض تشخيصاته، وقد نتفق معه في بعضها، لكن من حقه أن يناقش باعتباره صاحب رأي وتجربة وكان جزءا من المنظومة ذات يوم، لا باعتباره خصما لمجرد أنه اختار أن يطرح سؤالا حساسا.
فالدول تقوى حين تستطيع أن تسمع كل الأصوات المختلفة وتميز بين من يريد هدمها ومن يريد لها أن تكون أكثر قوة وعدلا وثقة بمواطنيها.
ولعل الأهم، بعد كل هذا التجاذب الذي أثارته تصريحات الحلالمة، ألا نتوقف عند شخص الرجل، ولا عند مواقف المؤيدين له أو المنتقدين لكن لنعتبرها فرصة لأن نلتقط من هذا الجدل ما يستحق أن يكون موضع مراجعة هادئة ومسؤولة.
وأخيرا نقول: إن مثل هذه النقاشات مهما اختلفنا حول توقيتها أو مضمونها أو أسلوب التعبير عنها يمكن أن تكون فرصة لأطراف الدولة والحكم ولصانعي القرار وللنخب السياسية والإعلامية، لإعادة النظر في العلاقة بين الدولة والمجتمع، والتي نراها ضرورة الضرورات، والاستماع إلى ما يقال خارج دوائر الخطاب الرسمي، وقراءة ما وراء الكلمات من مؤشرات ومشاعر وأسئلة متراكمة في المجتمع قبل فوات الأوان.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions